وذكر القرطبي عدة روايات عن بعض الصحابة والتابعين تدل على أنهم لا يرون للمسلم رخصة في ترك الغزو إذا أمكنه ذلك، فقال رحمه الله: (أسند الطبري عمن رأى المقداد بن الأسود بحمص على تابوت صراف وقد فضل على التابوت من سمنه، وهو يتجهز للغزو، فقيل له لقد عذرك الله، فقال: أتت علينا سورة البعوث(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) .. وقال الزهري خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له إنك عليل، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب، كثرت لكم السواد وحفظت لكم المتاع). تفسير القرطبي 8/ 151.
فهذه النصوص عن بعض الصحابة والتابعين تدل على مذهبهم في الجهاد، وأنهم يرون جهاد الابتداء والطلب فرضًا على القادر.
ولكن الذي يترجح لدي والله أعلم بالصواب .. هو مذهب الجمهور القائلين بأن جهاد الابتداء والطلب فرض كفاية، إذا قام به جماعة من المؤمنين فيهم غناء لنشر الإسلام والدعوة إليه فليس على كل مسلم أن يخرج معهم، وذلك للأدلة التالية:
1 -قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة 122.
قال القرطبي عند تفسير هذه الآية: فيها أن الجهاد ليس على الأعيان، وأنه فرض كفاية كما تقدم، إذ لو نفر الكل لضاع من وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد، وليقم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع وما تجدد نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم) تفسير القرطبي 8/ 293.