عن ذلك تقوم بمنح جندها معونات مالية للزواج في الغالب، كما أنها تعيل أسر الأسرى والشهداء قدر المستطاع وتقدمهم هم والمصابين على غيرهم غالبًا.
وحالة المنتسبين لهذه الجماعات -كالمنتسبين للجبهة مثلًا- هي نفس حالة المنتسبين لديوان الجند (المرتزقة) أيام الخلافة سابقًا، وهؤلاء كما مر معنا لم يكونوا يأخذون من الأربعة الأخماس، وإنما كانت الدولة الإسلامية تتكفل بأمرين اثنين تجاههم، وهما رواتبهم وتجهيزات المعركة، ويسقط بمقابل ذلك نصيبهم من المغنم، فحال المنتسبين لجبهة النصرة هو كحال المنتسبين لديوان الجند (المرتزقة) ، وإذا كان بيت المال سابقًا يلتزم تجاههم براتب ثابت بخلاف جبهة النصرة اليوم فإن ذلك يعود لأسباب منها: عدم قيام بيت المال بالمعنى الذي تكلمنا عنه، ومنها أن طبيعة المعركة في حالة جهادنا لا تسمح بذلك، وقد قدمنا من كلام أهل العلم ما يكفي كقول شيخ الإسلام:"وإن مات الجياع .."، ومنها أن مجموع ما تصرفه الجماعة اليوم على الأفراد والغزوات أكثر مما يصلها من موارد بكثير وهذا ليس باختيارها، بل هو من فقه الضرورة التي نعيشها، حيث أن العدو يجفف المنابع ويمارس الحرب الاقتصادية فضلًا عن العسكرية وغيرها.
وإن كان يجب على الجماعة أن تبذل وسعها وطاقتها في كفاية جنودها لأنهم مادة جهادها، ولا أرى أنه يترتب على الجماعة دين فيما لو قصرت في الرواتب كما هو الحال في ظل قيام دولة الإسلام، ثم قصر بيت المال حسبما مر معنا، لأن الحال غير الحال فلا يقاس عليه.
فعلى الجماعة أن تبذل وسعها ثم بعد ذلك {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، كما عليها أن تعدل بين جنودها، وإن لم تعدل فالإثم يلحقها بلا شك ما لم تحقق هذا العدل في جندها، بحيث يأخذ الجميع حسب نظام مالي وإداري واحد يسري عليهم دون تفريق بين ابن الجنوب أو الشمال أو الشرق أو الغرب، مع مراعاة الزيادة للمناطق المحاصرة أو شبه المحاصرة، كالغوطتين وحمص والقلمون -فك الله حصارهم-.
قال الإمام الشافعي رحمه الله في الأم:"وإذا قرب القوم من الجهاد ورخصت أسعارهم، أُعطوا أقل ما يعطى من بعُدَت داره وغلا سعره وهكذا" [1] .
إن الأحكام الفقهية المترتبة في حالة (أمطري أنَّى شئتِ فسيأتيني خراجك) تختلف عن الأحكام الفقهية المترتبة في حالة (وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء) وذلك بالنظر إلى القدرة الشرعية للمسلمين.
(1) الأم للشافعي (4/ 163) .