إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة، باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية، يخطئون فهم معنى الأديان كما يخطئون فهم معنى التسامح. فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله. والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي. . إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام، وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلا؛ ولا يقبل فيه تعديلا - ولو طفيفا - هذا اليقين الذي ينشئه القرآن الكريم وهو يقرر: إن الدين عند الله الإسلام. . ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه. . واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك. . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. . بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم. . وفي القرآن كلمة الفصل. . ولا على المسلم من تميع المتميعين وتمييعهم لهذا اليقين!
ويصور السياق القرآني تلك الحالة التي كانت واقعة؛ والتي ينزل القرآن من أجلها بهذا التحذير:
فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة. .
روى ابن جرير، قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد. قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقال:
يا رسول الله. إن لي موالي من يهود كثير عددهم؛ وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي [رأس النفاق] :إني رجل أخاف الدوائر. لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله [ص] لعبد الله بن أبي: يا أبا الحباب. ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة ابن الصامت فهو لك دونه! قال: قد قبلت! فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. . .
إن أهل الكتاب لم يكونوا ينقمون على المسلمين في عهد الرسول [صلى الله عليه وسلم] وهم لا ينقمون اليوم على طلائع البعث الإسلامي - إلا أن هؤلاء المسلمين يؤمنون بالله؛ وما أنزله الله إليهم من قرآن؛ وما صدق عليه قرآنهم مما أنزله الله من قبل من كتب أهل الكتاب. .
إنهم يعادون المسلمين لأنهم مسلمون! لأنهم ليسوا يهودا ولا نصارى. ولأن أهل الكتاب فاسقون منحرفون عما أنزله الله إليهم؛ وآية فسقهم وانحرافهم أنهم لا يؤمنون بالرسالة الأخيرة وهي مصدقة لما بين أيديهم - لا ما ابتدعوه وحرفوه - ولا يؤمنون بالرسول الأخير، وهو مصدق لما بين يديه؛ معظم لرسل الله أجمعين.
إنهم يحاربون المسلمين هذه الحرب الشعواء؛ التي لم تضع أوزارها قط، ولم يخب أوارها طوال ألف وأربعمائة عام؛ منذ أن قام للمسلمين كيان في المدينة؛ وتميزت لهم شخصية؛ وأصبح لهم وجود مستقل؛ ناشى ء من دينهم المستقل، وتصورهم المستقل، ونظامهم المستقل، في ظل منهج الله الفريد.
إنهم يشنون على المسلمين هذه الحرب المشبوبة لأنهم - قبل كل شيء - مسلمون ولا يمكن أن يطفئوا هذه الحرب المشبوبة إلا أن يردوا المسلمين عن دينهم؛ فيصبحوا غير مسلمين. . ذلك أن أهل الكتاب أكثرهم فاسقون؛ ومن ثم لا يحبون المستقيمين الملتزمين من المسلمين!