الصفحة 49 من 102

, أَوْ كَرَاهَةً لَكَانَ الطَّرَفُ الْآخَرُ وُجُوبًا , أَوْ نَدْبًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ إبَاحَةً كَمَا فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ , فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَيُبَاحُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ. وَكَثِيرٌ مِنْ الرُّخَصِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ , وَلَوْ سَلِمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُجُوبَ , أَوْ النَّدْبَ لَا يُنَاسِبُ الِابْتِنَاءَ عَلَى الْأَعْذَارِ كَوُجُوبِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ , أَوْ نَدْبِ إفْطَارِ الْمَرِيضِ عِنْدَ بَعْضِ الْأَضْرَارِ لَا يُقَالُ: الْعَزِيمَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ تُرْجِعُ الْوُجُوبَ كَوُجُوبِ تَرْكِ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَوُجُوبِ تَرْكِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ , فَإِنَّ الْفَرْضَ قَدْ يَكُونُ هُوَ الْفِعْلُ كَالصَّوْمِ , وَقَدْ يَكُونُ هُوَ التَّرْكُ كَتَرْكِ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ ; لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا تَاوِيلٌ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ , فَهُوَ غَيْرُ مُفِيدٍ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حُكْمِ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ , وَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْحُرْمَةُ لَا الْوُجُوبُ وَاسْتِلْزَامُهُ لِوُجُوبِ التَّرْكِ لَا يَنْفِي كَوْنَهُ الْحُرْمَةَ وَإِلَّا لَارْتَفَعَتْ الْحُرْمَةُ مِنْ بَيْنِ الْأَحْكَامِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَزِيمَةَ تَشْتَمِلُ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ بَعْدَ تَقْسِيمِ الْأَحْكَامِ إلَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفَلِ وَالْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَغَيْرِهَا إنَّ الْعَزِيمَةَ اسْمٌ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفَلِ وَنَحْوِهَا. (قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ وَالْحُرْمَةِ) كَلَامُهُ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ مُشْعِرٌ بِانْحِصَارِ حَقِيقَةِ الرُّخْصَةِ فِي الْإِبَاحَةِ وَيَلْزَمُهُ انْحِصَارُ الْعَزِيمَةِ فِي الْحُرْمَةِ ; لِأَنَّهَا تُقَابِلُهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالِاسْتِبَاحَةِ هَاهُنَا مُجَرَّدُ تَجْوِيزِ الْفِعْلِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ التَّسَاوِي , أَوْ بِدُونِهِ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمُبَاحَ وَالْمُرَادُ بِالْحُرْمَةِ وَالتَّحْرِيمِ فِي الرُّخْصَةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي جَانِبِ الْفِعْلِ , أَوْ فِي جَانِبِ التَّرْكِ فَيَشْمَلُ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ أَيْضًا كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: وَهِيَ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ وَنَفْلٌ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ الْفِعْلِ , أَوْ طَرَفِ التَّرْكِ لِيَشْمَلَ الْحَرَامَ , وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مُنَافَاةٌ. نَعَمْ يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُ انْحِصَارُ الْعَزِيمَةِ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ , وَهَذَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ سُنَّةً , أَوْ نَفْلًا كَمَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ , أَوْ سُنَّةٍ كَوْنَهَا مَنْدُوبَةً , فَإِذَا عَرَضَتْ حَالَةٌ لَمْ تَبْقَ تِلْكَ الصَّلَاةُ مَعَهَا مَنْدُوبَةً كَحَالَةِ الْخَوْفِ مَثَلًا فَيَكُونُ تَرْكُهَا رُخْصَةً , أَوْ حُكْمًا مَبْنِيًّا عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُرْمَةِ الْمَنْعُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ , أَوْ الرُّجْحَانِ وَحِينَئِذٍ لَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ. فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِبَاحَةُ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ وَالْحُرْمَةِ تُوجِبُ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ وَهُمَا الْحُرْمَةُ وَالْإِبَاحَةُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِبَاحَةِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُبَاحِ بِتَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ. وَتَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحُرْمَةِ كَمَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً فَعُفِيَ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُحَرِّمُ قَائِمٌ فِي الْقِسْمَيْنِ جَمِيعًا فَكَيْفَ اقْتَضَى تَايِيدَ الْحُرْمَةِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي قُلْنَا الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ أَمَارَاتٌ جَازَ تَرَاخِي الْحُكْمِ عَنْهَا , وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِذَلِكَ فَيَحْتَمِلُهُ بِخِلَافِ أَدِلَّةِ وُجُوبِ الْإِيمَانِ , فَإِنَّهَا عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا التَّرَاخِي عَقْلًا , وَلَا شَرْعًا فَتَقُومُ الْحُرْمَةُ بِقِيَامِهَا وَتَدُومُ بِدَوَامِهَا. (قَوْلُهُ: لَكِنَّ حَقَّهُ أَيْ حَقَّ الْعَبْدِ يَفُوتُ صُورَةً) بِخَرَابِ الْبِنْيَةِ وَمَعْنًى بِزُهُوقِ الرُّوحِ أَيْ خُرُوجِهِ مِنْ الْبَدَنِ. (قَوْلُهُ: حِسْبَةً) أَيْ طَلَبًا لِلثَّوَابِ وَهِيَ اسْمٌ مِنْ الِاحْتِسَابِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ رِعَايَةِ حَقِّ اللَّهِ صُورَةً وَمَعْنًى بِتَفْوِيتِ حَقِّ نَفْسِهِ صُورَةً وَمَعْنًى وَلِمَا رُوِيَ {أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: مَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي قَالَ: أَنْتَ أَيْضًا فَخَلَّاهُ. وَقَالَ لِلْآخَرِ: مَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي قَالَ: أَنَا أَصَمُّ فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَأَعَادَ جَوَابَهُ فَقَتَلَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ , فَقَدْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى , وَأَمَّا الثَّانِي , فَقَدْ صَدَعَ بِالْحَقِّ فَهَنِيئًا لَهُ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت