الصفحة 47 من 102

حِسْبَةً فِي دِينِهِ فَأَوْلَى , وَكَذَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ وَالْإِفْطَارُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَيْ إذَا أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ , أَوْ عَلَى الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ , أَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِالرُّخْصَةِ حَقِيقَةً لَكِنْ إنْ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ وَبَذَلَ نَفْسَهُ فَأَوْلَى. (وَالثَّانِي) أَيْ الَّذِي هُوَ رُخْصَةٌ حَقِيقَةً لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ مِنْهُ بِكَوْنِهِ رُخْصَةً (مَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ دُونَ الْحُرْمَةِ كَإِفْطَارِ الْمُسَافِرِ) فَإِنَّ الْمُحَرِّمَ لِلْإِفْطَارِ , وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ قَائِمٌ لَكِنَّ حُرْمَةَ الْإِفْطَارِ غَيْرُ قَائِمَةٍ (رُخِّصَ بِنَاءً عَلَى سَبَبِ تَرَاخِي حُكْمِهِ) فَالسَّبَبُ شُهُودُ الشَّهْرِ وَالْحُكْمُ وُجُوبُ الصَّوْمِ وَقَدْ تَرَاخَى لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (وَالْعَزِيمَةُ أَوْلَى عِنْدَنَا لِقِيَامِ السَّبَبِ وَلِأَنَّ فِي الْعَزِيمَةِ نَوْعَ يُسْرٍ لِمُوَافَقَةِ الْمُسْلِمِينَ) . هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ الْعَزِيمَةَ أَوْلَى وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالرُّخْصَةِ وَتَرْكَ الْعَزِيمَةِ إنَّمَا شُرِعَ لِلْيُسْرِ وَالْيُسْرُ حَاصِلٌ فِي الْعَزِيمَةِ أَيْضًا فَالْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ مُوَصِّلٌ إلَى ثَوَابٍ يَخْتَصُّ بِالْعَزِيمَةِ وَمُتَضَمِّنٌ لَيْسَ يَخْتَصُّ بِالرُّخْصَةِ فَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى (إلَّا أَنْ يُضْعِفَهُ الصَّوْمُ فَلَيْسَ لَهُ بَذْلُ نَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاتِلَ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ) أَيْ إلَّا أَنْ يُضْعِفَ الصَّوْمُ الصَّائِمَ , وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْعَزِيمَةُ أَوْلَى. وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِكَوْنِهِ رُخْصَةً مِنْ الثَّانِي ; لِأَنَّ فِي الثَّانِي وُجِدَ السَّبَبُ لِلصَّوْمِ لَكِنَّ حُكْمَهُ مُتَرَاخٍ فَصَارَ رَمَضَانُ فِي حَقِّهِ كَشَعْبَانَ فَيَكُونُ فِي الْإِفْطَارِ شُبْهَةُ كَوْنِهِ حُكْمًا أَصْلِيًّا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْمُحَرِّمَ وَالْحُرْمَةَ قَائِمَانِ فَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فِيهِ الْحُرْمَةُ وَلَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ كَوْنِ اسْتِبَاحَةِ الْكُفْرِ حُكْمًا أَصْلِيًّا فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَحَقَّ بِكَوْنِهِ رُخْصَةً (وَالثَّالِثُ) أَيْ الَّذِي هُوَ رُخْصَةٌ مَجَازًا , وَهُوَ أَتَمُّ فِي الْمَجَازِيَّةِ وَأَبْعَدُ عَنْ الْحَقِيقَةِ مِنْ الْآخَرِ. (مَا وُضِعَ عَنَّا مِنْ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ يُسَمَّى رُخْصَةً مَجَازًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا أَصْلًا. وَالرَّابِعُ) أَيْ الَّذِي هُوَ رُخْصَةٌ مَجَازًا لَكِنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ حَقِيقَةِ الرُّخْصَةِ مِنْ الثَّالِثِ (مَا سَقَطَ مَعَ كَوْنِهِ مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ , فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَقَطَ كَانَ مَجَازًا , وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ كَانَ شَبِيهًا بِحَقِيقَةِ الرُّخْصَةِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ كَقَوْلِ الرَّاوِي رُخِّصَ فِي السَّلَمِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ أَنْ يُلَاقِيَ عَيْنًا , وَهَذَا حُكْمٌ مَشْرُوعٌ لَكِنَّهُ سَقَطَ فِي السَّلَمِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ التَّعْيِينُ عَزِيمَةً , وَلَا مَشْرُوعًا , وَكَذَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ ضَرُورَةً فَإِنَّ حُرْمَتَهُمَا سَاقِطَةٌ هُنَا) أَيْ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ (مَعَ كَوْنِهَا ثَابِتَةً فِي الْجُمْلَةِ لقوله تعالى: {إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ} فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْحُرْمَةِ) فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الثَّانِي أَنَّ الْمُحَرَّمَ قَائِمٌ وَفِي الثَّانِي , وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْمُحَرَّمُ غَيْرُ قَائِمٍ حَالَ الضَّرَرِ لقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ} فَالنَّصُّ لَيْسَ بِمُحَرِّمٍ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ (وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ لِصِيَانَةِ عَقْلٍ , وَلَا صِيَانَةَ عِنْدَ فَوْتِ النَّفْسِ , وَكَذَا صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ لِقَوْلِهِ: عليه السلام {إنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ} الْحَدِيثَ) رُوِيَ {عَنْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ أَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَنَحْنُ آمِنُونَ فَقَالَ عليه السلام إنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ} وَإِنَّمَا سَأَلَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه لِأَنَّ الْقَصْرَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَوْفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ} وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ , وَكَذَا سُؤَالُ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَالًّا عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ لَمَا سَأَلَ عُمَرُ رضي الله عنه وَلَكَانَ عَالِمًا بِهَذَا ; لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَأَرْبَابِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ. (وَالتَّصَدُّقُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ إسْقَاطٌ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَإِنْ كَانَ) أَيْ التَّصَدُّقُ (مِمَّنْ لَا يَلْزَمُ طَاعَتُهُ كَوَلِيِّ الْقِصَاصِ فَهَاهُنَا أَوْلَى) أَيْ فِي صُورَةٍ يَكُونُ التَّصَدُّقُ مِمَّنْ يَلْزَمُ طَاعَتُهُ , وَهُوَ اللَّهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ إسْقَاطًا لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ (وَلِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ إذَا تَضَمَّنَ رِفْقًا كَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت