فإن الطغيان والباطل قد يغلبان، لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان. . يجب أن تتحقق حقيقة الإيمان في النفس وحقيقة الحق في القلب؛ فتصبحا أقوى من حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل ويصول بها الطغيان. . وهذا هو الذي كان في موقف موسى - عليه السلام - من السحر والسحرة. وفي موقف السحرة من فرعون ومثله. ومن ثم انتصر الحق في الأرض كما يعرضه هذا المشهد في سياق السورة:
ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي، فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا، لا تخاف دركا ولا تخشى. فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم، وأضل فرعون قومه وما هدى
ولا يذكر السياق هنا ما الذي كان بعد مواجهة الإيمان للطغيان في موقف السحرة مع فرعون. ولا كيف تصرف معهم بعدما اعتصموا بإيمانهم مستقبلين التهديد والوعيد بقلب المؤمن المتعلق بربه، المستهين بحياة الأرض وما فيها ومن فيها. إنما يعقب بهذا المشهد. مشهد الانتصار الكامل ليتصل النصر القلبي بالنصر الواقعي. وتتجلى رعاية الله لعباده المؤمنين كاملة حاسمة. . ولنفس الغرض لا يطيل هنا في مشهد الخروج والوقوف أمام البحر - كما يطيل في سور أخرى - بل يبادر بعرض مشهد النصر بلا مقدمات كثيرة. لأن مقدماته كانت في الضمائر والقلوب.
وإن هو إلا الإيحاء لموسى أن يخرج بعباد الله - بني إسرائيل - ليلا. فيضرب لهم طريقا في البحر يبسا بدون تفصيل ولا تطويل - فنعرضه نحن كذلك كما جاء - مطمئنا إلى أن عناية الله ترعاهم فلا يخاف أن يدركه فرعون وجنوده، ولا يخشى من البحر الذي اتخذ له طريقا يابسا فيه! ويد القدرة التي أجرت الماء وفق الناموس الذي أرادته قادرة على أن تكشفه بعض الوقت عن طريق يابس فيه!
فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم. وأضل فرعون قومه وما هدى. .
هكذا يجمل السياق كذلك ما غشي فرعون وقومه، ولا يفصله، ليبقى وقعه في النفس شاملا مهولا؛ لا يحدده التفصيل، وقاد فرعون قومه إلى الضلال في الحياة كما قادهم إلى الضلال والبحر. وكلاهما ضلال يؤدي إلى البوار. .
ولا نتعرض نحن لتفصيلات ما حدث في هذا الموضع، كي نتابع السياق في حكمة الإجمال. إنما نقف أمام العبرة التي يتركها المشهد ونتسمع لإيقاعه في القلوب. .
لقد تولت يد القدرة إدارة المعركة بين الإيمان والطغيان فلم يتكلف أصحاب الإيمان فيها شيئا سوى اتباع الوحي والسري ليلا. ذلك أن القوتين لم تكونا متكافئتين ولا متقاربتين في عالم الواقع. . موسى وقومه ضعاف مجردون من القوة، وفرعون وجنده يملكون القوة كلها. فلا سبيل إلى خوض معركة مادية أصلا. هنا تولت يد القدرة إدارة المعركة. ولكن بعد أن اكتملت حقيقة الإيمان في نفوس الذين لا يملكون قوة سواها. بعد أن استعلن الإيمان في وجه الطغيان لا يخشاه ولا يرجوه؛ لا يرهب وعيده ولا يرغب في شيء مما في يده. . يقول الطغيان: فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل فيقول الإيمان: فاقض ما أنت قاض. إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. . عندما بلغت المعركة بين الإيمان والطغيان في عالم القلب إلى هذا الحد تولت يد القدرة راية الحق لترفعها عالية، وتنكس راية الباطل بلا جهد من أهل الإيمان.
وكما في سورة الشعراء {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ 46} قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ {47} رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ {48} قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ