الصفحة 12 من 102

بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْإِثْمِ وَعَدَمِ تَرَتُّبِهِ. (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي غَيْرِ الصَّائِلِ لِعَدَمِ الْمُسْقِطِ وَعَدَمَ الضَّمَانِ فِي الصَّائِلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِنَوْعٍ مِنْ إسْقَاطِ اعْتِبَارِ إتْلَافِهِ بِسَبَبِ عِدَاهُ وَعِدْوَانِهِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) مِنْ الْفُرُوقِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا أَنَّ الضَّمَانَ فِي غَيْرِ الصَّائِلِ لِعَدَمِ تَعَارُضِ مَفْسَدَتَيْنِ عُلْيَا وَدُنْيَا فِيهِ وَعَدَمَ الضَّمَانِ فِي الصَّائِلِ ; لِأَنَّهُ تَعَارَضَتْ فِيهِ مَفْسَدَةُ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ يُمَكِّنَ مِنْ الْقَتْلِ , التَّمْكِينُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ مُبَاشَرَةِ الْمَفْسَدَةِ نَفْسِهَا وَالْقَاعِدَةُ سُقُوطُ اعْتِبَارِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا إذَا تَعَارَضَتَا. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ تَرْكَ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ سَبَبٌ تَامٌّ فِي الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ وَتَرْكُ دَفْعِ الصَّائِلِ سَبَبٌ فِي الْمَوْتِ نَاقِصٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِضَافَةِ فِعْلِ الصَّائِلِ إلَيْهِ فَلِذَا تَرَتَّبَ الْإِثْمُ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَافْهَمْ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ حُرْمَةِ تَرْكِ الْغِذَاءِ وَعَدَمِ حُرْمَةِ تَرْكِ الدَّوَاءِ؟ قُلْتُ الْوَجْهُ أَنَّ الدَّوَاءَ غَيْرُ مُنْضَبِطِ النَّفْعِ فَإِنَّهُ قَدْ يُفِيدُ وَقَدْ لَا يُفِيدُ وَنَفْعُ الْغِذَاءِ ضَرُورِيٌّ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ نَفْسِهِ طَعَامَهَا وَشَرَابَهَا حَتَّى مَاتَ يُعَدُّ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ فَلِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالسَّاكِتُ عَنْ دَفْعِ الصَّائِلِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُعَدُّ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ فَلِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الْإِثْمُ , وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الدَّافِعَ لِصَائِلٍ إنْسَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَنْ مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ لَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ بَلْ الدَّفْعَ خَاصَّةً , وَإِنْ أَدَّى إلَى الْقَتْلِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيَقْصِدُ قَتْلَهُ ابْتِدَاءً لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا إلَى الدَّفْعِ فَمَنْ خَشِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ فَهُوَ هَدَرٌ عِنْدَنَا لَا يَضْمَنُ حَتَّى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ , وَكَذَلِكَ الْبَهِيمَةُ ; لِأَنَّهُ نَابَ عَنْ صَاحِبِهَا فِي دَفْعِهَا , نَعَمْ لَوْ قَدَرَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ عَلَى الْهُرُوبِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُ تَعَيَّنَ , وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الدَّفْعُ بِالْجُرْحِ وَلِذَا لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ بِالْجُرْحِ ابْتِدَاءً لِمَنْ يَخْشَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنُبْ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْقِيَامِ بِذَلِكَ الْإِتْلَافِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهُرُوبِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فَلَهُ الدَّفْعُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَعْظَمُ الْمَدْفُوعِ النَّفْسُ , وَأَمْرُهُ بِيَدِهِ إنْ شَاءَ أَسْلَمَ نَفْسَهُ أَوْ دَفَعَ عَنْهَا وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ فَفِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ الصَّبْرُ أَوْلَى تَقْلِيلًا لَهَا وَهُوَ يُقْصَدُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ عَامَّةٍ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ , وَإِنْ عَضَّ الصَّائِلُ يَدَك فَنَزَعْتَهَا مِنْ فِيهِ فَقَلَعْتَ أَسْنَانَهُ ضَمِنْتَ دِيَةَ الْأَسْنَانِ لِأَنَّهَا مِنْ فِعْلِك وَقِيلَ لَا تَضْمَنُ ; لِأَنَّهُ أَلْجَأَك لِذَلِكَ , وَإِنْ نَظَرَ إلَى حَرَمٍ مِنْ كَوَّةٍ لَمْ يَجُزْ لَك أَنْ تَقْصِدَ عَيْنَهُ أَوْ غَيْرَهَا ; لِأَنَّهُ لَا تُدْفَعُ الْمَعْصِيَةُ بِالْمَعْصِيَةِ وَفِيهِ الْقَوَدُ إنْ فَعَلْت وَيَجِبُ تَقَدُّمُ الْإِنْذَارِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فِيهِ دَفْعٌ. وَمُسْتَنَدُ تَرْكِ الدَّفْعِ عَنْ النَّفْسِ وَجْهَانِ: (الْأَوَّلُ) مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ , وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ} . (وَالثَّانِي) قِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ {إذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقَبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ} ثُمَّ قَالَ {إنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِك} وَلَمْ يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ وَعَلَى ذَلِكَ اعْتَمَدَ عُثْمَانُ رضي الله عنه عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ رضي الله تعالى عنه فِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْفَحْلَ الصَّائِلَ وَالْمَجْنُونَ وَالصَّغِيرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُبَاحُ لَهُ الدَّفْعُ وَيَضْمَنُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ آدَمِيًّا بَالِغًا عَاقِلًا. لَنَا وُجُوهٌ , الْأَوَّلُ: الْأَصْلُ عَدَمُ الضَّمَانِ الثَّانِي الْقِيَاسُ عَلَى الْآدَمِيِّ الثَّالِثُ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْأَذَى أَنَّهَا تَقْتُلُ , وَلَا تُضْمَنُ إجْمَاعًا وَلَا يَلْزَمُنَا إذَا غَصَبَهُ فَصَالَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ ضَمِنَ هُنَالِكَ بِالْغَصْبِ لَا بِالدَّفْعِ , وَإِلَّا إذَا اُضْطُرَّ لَهُ لِجُوعٍ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ; لِأَنَّ الْجُوعَ الْقَاتِلَ فِي نَفْسِ الْجَائِعِ لَا فِي نَفْسِ الصَّائِلِ وَالْقَتْلُ بِالصِّيَالِ مِنْ جِهَةِ الصَّائِلِ , وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْأَحْنَافُ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ. (فَالْأَوَّلُ) أَنَّ مُدْرَك عَدَمِ الضَّمَانِ إنَّمَا يَكُونُ هُوَ إذْنُ الْمَالِكِ لَا جَوَازُ الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ لَمْ يَضْمَنْ , وَلَوْ أَكَلَهُ لِمَجَاعَةٍ ضَمِنَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الضَّمَانَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا صَالَ عَلَى مُحَرَّمٍ لَمْ يَضْمَنْهُ أَوْ صَالَ عَلَى الْعَبْدِ سَيِّدُهُ فَقَتَلَهُ الْعَبْدُ وَالْأَبُ عَلَى ابْنِهِ فَقَتَلَهُ ابْنُهُ لَا يَضْمَنُونَ لِجَوَازِ الْفِعْلِ. (وَالثَّانِي) أَنَّ الْآدَمِيَّ لَهُ قَصْدٌ وَاخْتِيَارٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت