فإن التكفير بمجرد الجس لم يزل معروفًا بين العلماء كما ستأتي أقوالهم، ووصْفُ ما فعله حاطب -رضي الله عنه- بالمظاهرة غير ظاهر كما قد رأيت، فقد فقال -حفظه الله وبارك في علمه وعمره-: [وهذا الجاسوس الذي يجس على المسلمين وإن تحتم قتله عقوبة فإنه لا يكون بمجرد الجس مرتدًا، ولا أدل على ذلك من قصة حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- ... فقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- عذره، ولم يأمره بتجديد إسلامه، وذكر ما جعل الله سببًا لمغفرة الله له، وهو شهوده بدرًا ... وهذه مظاهرة أي مظاهرة] (فتاوى واستشارات الإسلام اليوم: 16/ 431) .
والأغرب من هذا حكايته الإجماع على عدم كفر الجاسوس! في أجوبته على أسئلة أعضاء ملتقى أهل الحديث حينما سأل: ما هو الفعل الذي وقع فيه الصحابي حاطب؟ ومن أي نوع هو؟ وهل من فعل مثل ما فعل حاطب الآن لا يكفر؟ فأجاب -وفقه الله-: [ ... فلم يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع من حاطب موجبا لردته، ولهذا أجمع العلماء أن المسلم إذا جَسّ على المسلمين لا يكفر، وإنما اختلفوا في قتله، وهو موضع اجتهاد] .
رابعًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أُحضِر له كتاب حاطب وقرئ عليه سأل حاطبًا: [ما حملك على ما صنعت؟] ، وفي رواية [يا حاطب ما هذا؟] ،وفي رواية: [فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم. قال: فما حملك على ذلك] (فتح الباري: 19/ 396) .
وكل هذه الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الدافع والحامل لحاطب على فعل ما فعل، وهذا قد يفهم منه أن فعل حاطب رضي الله عنه قد تختلف دوافعه (المؤثرة) في الحكم، بحيث قد يكون بعض تلك الدوافع كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وبعضها دون ذلك، كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله- في هذه الجزئية: [لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكًا في الاسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الاسلام، واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله] (الأم: 4/ 264) .
ولهذا كان جواب حاطب عن هذا السؤال، وبيانه للدافع له على ذلك مقرونًا بنفي إرادة الكفر وقصد الارتداد عن الدين كما جاء في الرويات بألفاظ مختلفة منها: [ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام] وفي أخرى: [وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام] ، وفي رواية: [ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله وما غيرت ولا بدلت] ، وفي رواية أيضًا: [والله إني لناصح لله ولرسوله] ، ومن المعلوم قطعًا أن القصة واحدة وأن مدلول هذه الروايات -وإن