التجسس لهم بتتبع عوراتهم- هي كفر أكبر مخرجٌ من الملة، وبين ما ذهب إليه كثيرٌ من العلماء من أن فعل حاطب رضي الله عنه هو من قبيل الكبائر التي كفرتها الحسنات وذلك لما يأتي:
أولًا: إن مقصد حاطب رضي الله عنه لم يكن إطلاع الكفار على أسرار المسلمين لينتفعوا بها في حربهم لهم وتمهيد السبيل للنكاية بهم وظهورهم عليهم، وإنما كان أصل مقصده وأساسه ومطلبه الأول هو الحفاظ على أبنائه، وذلك"بمنته"على الكفار بما أعلمهم به من عزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزوهم وهذا ظاهر من قول حاطب نفسه حينما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عما دفعه إلى ذلك: [أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله.] متفق عليه.
فأراد أن تكون"يده عند القوم"وسيلة لتحصيل مقصوده وهو"الدفع عن أهله"، فحقيقة ما فعله لا يخرج عن كونه إفشاء سرٍ مجردٍ أُمر بكتمه وإخفائه، فخالف فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الروايات أن حاطبًا كان من بين من سارهم النبي صلى الله عليه وسلم بعزمه على غزو مكة، ففي مسند أبي يعلى عن علي رضي الله تعالى عنه: [قال لما أراد رسول الله مكة أرسل إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة فيهم حاطب بن أبي بلتعة وفشا في الناس أنه يريد حنين قال فكتب حاطب إلى أهل مكة ... الحديث] (مسند أبي يعلى: 1/ 319) وضعف هذا الأثر بعض العلماء.
ثانيًا: ففعل حاطب رضي الله عنه لم يكن في حقيقته لا"مظاهرة"ولا"إعانة"ولا"ممالأة"للكفار على المسلمين -والتي هي مناط التكفير هنا- وإنما كان خيانةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أفشى سره وأظهر ما أمر بكتمانه، إلا أن ما زاد هذه بشاعة وتغليظًا هو أن إفشاءه كان للمشركين؛ ولذلك قربت صورته من المظاهرة وشابهتها ولم تكن إياها في الحقيقة حتى قال عمر في حق حاطب رضي الله عنهما: [إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فأضرب عنقه.] البخاري، وفي رواية عند الطبري أن عمر قال بعدما سأله النبي صلى الله عليه وسلم: أليس قد شهد بدرًا: [بلى، ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك.] ورواه أيضًا أبو يعلى
فمن المعلوم أن مجرد إفشاء سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر بكتمه يعد عظيمًا في أصله حتى ولو كان لآحاد المسلمين والخلان المصافين، كما قال سبحانه وتعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ? إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ