وبما أن دلالة القرآن والسنة معًا تنص على دخول التجسس للكفار في مسمى الموالاة المنهي عنها فإن كل آية وردت في كتاب الله تعالى تنهى عن اتخاذ الكافرين أولياء وتحذر من ذلك يدخل فيها دخولًا مؤكدًا التجسسُ لهم على المسلمين، ولا فرق بين أن يكون ذلك الكافر وثنيًا مشركًا، أو يهوديًا، أو نصرانيًا، أو مجوسيًا، أو شيوعيًا، أو هندوسيًا، أو بوذيًا، أو مرتدًا، أو غيرهم من النحل الكافرة التي لم تزل تتولد، فهؤلاء كلهم يشملهم الوصف الذي جاء في آية الممتحنة من قوله تعالى (عدوي وعدوكم) ، فما من كافر إلا وهو عدو لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كما قال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 97 - 98] ، وقال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء: 101] ،وقال سبحانه: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 28] ،وقال عز وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]
قال الشيخ العثيمين-رحمه الله-: [فالكافر أيًا كان، سواء كان من النصارى، أو من اليهود، أو من الملحدين، وسواء تسمى باسم الإسلام أو لم يتسم بالإسلام، الكافر عدو لله، ولكتابه، ولرسوله، وللمؤمنين جميعًا، مهما تلبس بما يتلبس به فإنه عدو] (شرح رياض الصالحين: 1/ 12) .
كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر في كتب الأصول وغيرها، فآية الممتحنة وإن كان نزولها في شأن مكاتبة حاطب رضي الله عنه لكفار قريش، فهذا لا يعني أن الكفار المنهي عن اتخاذهم أولياء والذين يحرم التجسس لهم على المسلمين هم خصوص المشركين، بل يعم الحكم كل موالٍ لكل كافر وفي كل زمن، وقد جاءت الآيات القرآنية مصرحة بالنهي عن موالاة جميع الكفار، وعن أصناف منهم بخصوصهم كاليهود والنصارى.
جاء في الدرر السنية: [وهذه وإن كان سبب نزولها في حاطب بن أبي بلتعة، حين كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه خاطب المؤمنين بهذا الحكم عمومًا، وقال: {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ} معشر المخاطبين، كائنًا من كان، {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} . وهذا شامل لكل فرد من أفراد الأمة، من المستقدمين والمستأخرين، لا يرتاب في هذا مسلم قط]