فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 145

التي يرتبط بها تأمين الناس على أنفسهم، ودمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، ودينهم، ودنياهم، وبالتالي فالمفاسد المترتبة على إهدار الأخذ بالشواهد والقرائن ليست مفاسد جزئية محدودة مغمورة وإنما هي أعظم المفاسد وأفدح المضار وهو اصطلام الإسلام واستعلاء الكفرة الطغام، والجاسوسية التي هي إحدى سبل وقوع هذه المفاسد - وكلامنا عليها هنا- هي مما عمت به البلوى عمومًا ظاهرًا، وظهرت نكايتها وفتكها بأهل الإسلام ظهورًا واضحًا.

فإذا كان الشرع قد أباح بعض الدماء - وفي حالات جزئية - اعتمادًا على القرائن والشواهد، كي لا تضيع حقوق الناس فلأن يجيز ذلك في مثل الحال التي ذكرناها -حيث الضرر العام والمفسدة الكبرى- من باب أولى وأحرى، ونشير هنا إلى بعض تلك الأدلة الشرعية التي اعتبرت فيها القرائن وشواهد الحال كافية في إثبات الجناية ومن ثَم إنزال العقوبة الشرعية على مقترفها.

الدليل الأول: عن وائل بن حجر -رضي الله عنه-: [أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح، وهي تعمد إلى المسجد، فاستغاثت برجل مر عليها، وفر صاحبها، ثم مر عليها قوم ذوو عدة، فاستغاثت بهم، فأدركوا الذي استغاثت به، وسبقهم الآخر فذهب، فجاؤوا به يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنه وقع عليها، وأخبره القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغيثها على صاحبها، فأدركني هؤلاء فأخذوني، قالت: كذب هو الذي وقع علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه، فقام رجل من الناس، فقال: لا ترجموه، وارجموني أنا الذي فعلت بها الفعل فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي وقع عليها والذي أجابها والمرأة، فقال لها: أما أنت فقد غفر الله لك وقال: للذي أصابها قولا حسنا، قال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا لأنه قد تاب توبة إلى الله أحسبه قال: توبة لو تابها أهل المدينة، أو أهل يثرب لقبل منهم، فأرسلهم] رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والطبراني في الكبير، والبيهقي -واللفظ له- وابن الجارود، وفي رواية بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم المُقر، وقد حسن الشيخ الألباني هذا الحديث إلا قوله (فارجموه) كما في بعض الروايات.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [هذا الحديث إسناده على شرط مسلم، ولعله تركه لهذا الاضطراب الذي وقع في متنه، والحديث يدور على سماك، وقد اختلفت الرواية في رجم المعترف، فقال أسباط بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت