الصفحة 11 من 85

"...السمة الأولى التي تسترعي انتباهنا هي المقدرة الاستيعابية للثقافة العربية التي غالبا ما وصمت بأنها قائمة على المحاكاة والتقليد، فقد وحد الفاتحون العرب _ ولأول مرة في التاريخ _ الأقاليم الشاسعة الممتدة من حدود الهند والصين إلى تخوم اليونان وإيطاليا وفرنسا. ومن خلال قواهم العسكرية والسياسية لبعض الوقت، ثم لفترة طويلة بعد ذلك من خلال لغتهم وعقيدتهم؛ وحد العرب بين ثقافتين كانتا تتصارعان في الماضي، هما الثرات المتنوع لحوض البحر الأبيض المتوسط البالغ العمر ألف عام (ثرات اليونان وروما وبني إسرائيل والشرق الأدنى القديم) ، وحضارة فارس الثؤية وأنماطها الخاصة في الحياة والفكر، وصلاتها المثمرة بالحضاران العضيمة في الشرق الأقصى. ذلك أنه في خلال التعايش بين الكثير من الشعوب والعقائد والثقافات داخل حدود المجتمع الإسلامي ولدت حضارة جديدة؛ متنوعة من حيث أصولها ومبدعيها، لكنها تحتمل في كل مظاهرها البصمة المميزة للعروبة والإسلام، ومن هذا التنوع الذي اتسم به العالم الإسلامي نشأت سمة ثانية لافتة بصفة خاصة لأنظار المراقب الأوربي، هي تسامحه بالمقارنة بالمجتمعات الأخرى. فعلى النقيض من معاصريه الغربيين نادرا ما شعر المسلم في العصور الوسطى بالحاجة لفرض عقيدته بالقوة على كل الخاضعين لحكمه، لقد ترسخ في وعيه مثلهم أن أولائك الذين يعتنقون عقيدة مغايرة سيحرقون في الجحيم في الوقت المقدر لذلك، لكنه على خلافهم لم ير ثمة فائدة في استباق القضاء الإلهي في هذه الدنيا، وكان قانعا في أغلب العصور بالانتماء إلأى العقيدة السائدة في مجتمع متعدد العقائد. لقد فرض على الآخرين قيودا اجتماعية وتشريعية معينة كرمز لسيادته، وكان يذكرهم تذكرة فعالة إذا ما بدا أنه في سبيله للنسيان، وفي ما عدا ذلك ترك لهم حرياتهم الدينية والاقتصادية والثقافية، كما ترك فرصة الإسهام البارز في حضارته هو"اهـ

والنص من ترجمة أ. محمد غريب جودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت