ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما، بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول وقد سقط عليهم المطر، فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما نودى ببغداد بالأمان، خرج من تحت الارض من كان بالمطامير والقنى والمقابر، كانهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الاخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الاسماء الحسنى، وكان رحيل السلطان المسلط هولاكو خان عن بغداد في جمادي الاولى من هذه السنة، إلى مقر ملكه وفوض أمر بغداد إلى الأمير على بهادر، فوض إليه الشحنكية بها وإلى الوزير بن العلقمي فلم يمهله الله ولا أهمله، بل أخذه أخذ عزيز مقتدر في مستهل جمادي الاخرة عن ثلاث وستين سنة، وكان عنده فضيلة في الإنشاء ولديه فضيلة في الادب، ولكنه كان شيعيا جلدا رافضيا خبيثا فمات جهدا وغما وحزنا وندما، إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، فولى بعده الوزارة ولده عز الدين بن الفضل محمد، فالحقه الله بأبيه في بقية هذا العام ولله الحمد والمنة.
وذكر أبو شامة وشيخنا أبو عبد الله الذهبي، وقطب الدين اليونيني أنه أصاب الناس في هذه السنة بالشام وباء شديد، وذكروا أن سبب ذلك من فساد الهواء والجو فسد من كثرة القتلى ببلاد العراق، وانتشر حتى تعدى إلى بلاد الشام فالله أعلم". (1) "
(1) البداية والنهاية (13/215) .