الصفحة 17 من 115

هذا يقع من بعض طلبة العلم؛ حينما يسودون الصفحات الطويلة في الخصام في صلاة التراويح، كم هي، ورد بعضهم على بعض، وهجوم بعضهم على بعض، وتشهير بعضهم ببعض، ويقع هذا عند طلبة العلم، وعند العامة في المساجد، فإذا جاء رمضان بدأ الخصام والشجار في التراويح، فمن قائل: صلِّ عشرًا وآخر صلِّ عشرين، واختلفت الجماعة على الإمام، فبعضهم نريد عشرًا وبعضهم يقول نريد خمسًا، وبعضهم يريد أقل وبعضهم يريد أكثر، وبعضهم يقول: طول وبعضهم يقول: أسرع.

وهكذا تتحول العبادة التي شرعها الله عز وجل لتهذيب النفوس والأفراد والمجتمعات وجمع الكلمة، في نفوس المسلمين المتأخرين المتخلفين في هذا العصر، إلى ميدان للتنافر والتطاحن والتباغض والتباعد، فتنعكس الآية ويضعف تأثير هذه العبادات في نفوس كثير من الناس.

أهمية التوسعة في هذه الأمور

الملاحظة الثالثة في موضوع التراويح: أهمية التوسعة في هذه الأمور على الناس.

فإننا نعلم من هدي الإسلام أنه دين اليسر والسماحة، خذ على سبيل المثال: الحديث المتفق عليه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وغيرهما، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين حج حجة الوداع، كان واقفًا للناس في منى ً لا يسأله أحد عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. قال قائل: رميت بعد ما أمسيت؟

قال: افعل لا حرج. حلقت قبل أن أرمي؟

قال: افعل ولا حرج ... ولم يسأل - صلى الله عليه وسلم - عن شيء قدم ولا أخر، من أعمال الحج مثل الرمي التي تفعل في يوم العيد، والنحر والحلق والطواف، إلا قال: افعل ولا حرج. سألوه عمن قدم الطواف؟

فقال: لا حرج، وسألوه عمن قدم الحلق؟

فقال: لا حرج، وسألوه عمن قدم النحر؟

فقال: لا حرج، لم يسأل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: لا حرج.

فكان - صلى الله عليه وسلم - يحب التوسعة على أمته، وهذا مسلك نجده لعلماء أهل السنة عبر العصور، يكرهون المشقة على الناس، وهكذا يجب علينا في هذا العصر أن نبتعد عن المشقة على الناس في التراويح وغيرها.

ومن الابتعاد عن المشقة أن يراعي الإنسان حال المأمومين، فإن كان يشق عليهم أن يصلي بهم عشر تسليمات، صلى بهم خمسًا، وهذا أوفق وأقرب للسنة، وإن كان أكثرهم اعتاد على العشر وهي أخف عليهم، لأنه يشق عليهم طول الوقوف فيصلي بهم، عشر تسليمات ولا حرج في ذلك؛ لأنه ليس في صلاة التراويح حد محدود، المهم أن تكون مثنى مثنى، تسلم من كل ركعتين ولا تقرن أربعًا، ثم صل ما يناسبك، وإن كان الأصل في ذلك أن يكون العامة تبعًا لعلمائهم وأئمتهم وطلاب العلم، فليس الأصل أن العامة هم الذي يفرضون على الناس عدد الصلوات، لكن إن كان في ذلك مشقة أو اختلاف فينبغي تجنب ذلك.

رمضان شهر الجهاد

الوقفة الثالثة عشرة: إن رمضان شهر الجهاد.

والجهاد -كما تعلمون- ذروة سنام الإسلام، وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {إن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجة والتي تليها كما بين السماء والأرض، أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله، وأعلى ذلك الفردوس، فإذا سألتم الله؛ فسلوه الفردوس الأعلى، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تتفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن عز وجل} ففي الجنة مائة درجة هي للمجاهدين في سبيل الله عز وجل، ولذلك فإن رمضان ليس شهر النوم والكسل والبطالة، بل هو شهر الجهاد.

خذ على سبيل المثال: حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأعظم معركتين في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانتا في رمضان، أولاهما: معركة بدر الكبرى، فإنها كانت في شهر رمضان، ومعركة بدر هي الفرقان الذي فرق الله تعالى بها بين عهد الذل والاستضعاف، وبين عهد العزة والتمكين للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين، ولذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - في يوم بدر يرفع يديه إلى السماء ويبتهل إلى الله عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبه، وهو يقول: {اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم في الأرض. حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه من ورائه فالتزمه، ووضع رداءه على منكبيه، وقال: يا رسول الله! كفاك مناشدة ربك -أي ارفق بنفسك- فإن الله تعالى منجز لك ما وعد} فنصر الله تعالى رسوله والمؤمنين نصرًا مؤزرًا تحدثت به الركبان، وكان فرقانًا وفيصلًا بين عهد الذل والاستضعاف، وبين عهد القوة والنصر والتمكين قال الله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران:123] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت