الصفحة 6 من 14

الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ ؛ وَخَالَفُوا بِهِ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ . وَبَعْضُهُمْ يَحْكِيهِ إجْمَاعًا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ بِذَلِكَ نَقْلٌ لَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَوْلَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ . وَبَعْضُهُمْ يَظُنُّ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَوَافَقَ الْفَلَاسِفَةَ الدَّهْرِيَّةَ ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا إلَّا قَوْلَيْنِ: قَوْلَ الْفَلَاسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ إمَّا صُورَتُهُ وَإِمَّا مَادَّتُهُ سَوَاءٌ قِيلَ: هُوَ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ ؛ أَوْ مَعْلُولٌ لِغَيْرِهِ . وَقَوْلَ مَنْ رَدَّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: الجهمية ؛ وَالْمُعْتَزِلَةِ ؛ والكرامية ؛ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءِ ثُمَّ أَحْدَثَ الْكَلَامَ وَالْفِعْلَ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا . وَطَائِفَةٌ أُخْرَى كالكلابية وَمَنْ وَافَقَهُمْ يَقُولُونَ: بَلْ الْكَلَامُ قَدِيمُ الْعَيْنِ إمَّا مَعْنًى وَاحِدٌ وَإِمَّا أَحْرُفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: إنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ثُمَّ حَدَثَ مَا يَحْدُثُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ إمَّا قَائِمًا بِذَاتِهِ أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ [ وَ ] إمَّا مُنْفَصِلًا عَنْهُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ قِيَامَ ذَلِكَ بِذَاتِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهُ بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّاسِ إلَّا هَذَانِ الْقَوْلَانِ وَكَانَ مُؤْمِنًا بِأَنَّ الرُّسُلَ لَا يَقُولُونَ إلَّا حَقًّا يَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَوْلَ الرُّسُلِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ . ثُمَّ إذَا طُولِبَ بِنَقْلِ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ الرُّسُلِ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُمْكِنْ لِأَحَدِ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةِ وَلَا حَدِيثٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا بَلْ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْقُلَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ . وَقَدْ جَعَلُوا ذَلِكَ مَعْنَى حُدُوثِ الْعَالَمِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ عِنْدَهُمْ . فَيَبْقَى أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي هُوَ دِينُ الرُّسُلِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَعْلَمُونَ بِهِ أَنَّ الرَّسُولَ قَالَهُ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ؛ بَلْ الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ . وَمَنْ كَانَ أَصْلُ دِينِهِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ دِينُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِهِ كَانَ مِنْ أَضَلِّ النَّاسِ فِي دِينِهِ . ( الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ أَخَذُوا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بِالْحَجِّ الْعَقْلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُمْ وَعُمْدَتُهُمْ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الْحُجَجِ مَبْنَاهَا عَلَى امْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَبِهَا أَثْبَتُوا حُدُوثَ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِصِفَةِ وَسَمَّوْا ذَلِكَ إثْبَاتًا لِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ فَلَزِمَهُمْ عَلَى ذَلِكَ نَفْيُ صِفَاتِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا كَلَامٌ يَقُومُ بِهِ بَلْ كَلَامُهُ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ وَكَذَلِكَ رِضَاهُ وَغَضَبُهُ وَالْتَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِمِ الَّتِي نَفَوْا بِهَا مَا أَثَبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَكَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ تَكْذِيبًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَسَلَّطَ أَهْلُ الْعُقُولِ عَلَى تِلْكَ الْحُجَجِ الَّتِي لَهُمْ فَبَيَّنُوا فَسَادَهَا . وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا سُلِّطَ لِلدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ لَمَّا عَلِمُوا حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ وَأَدِلَّتِهِمْ وَنَسَوْا فَسَادَهُ . ثُمَّ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّ هَذَا قَوْلُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ قَالُوا: إنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبَيِّنْ الْحَقَائِقَ سَوَاءٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت