الصفحة 11 من 14

كُلِّ وَجْهٍ وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ كَمَا قَالَ ذَلِكَ قُدَمَاءُ الجهمية وَهُوَ سَلْبٌ لِلصِّفَاتِ ؛ إذْ فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ حَيْثُ أَثْبَتُوا الْكَلَامَ الْمَعْرُوفَ وَنَفَوْا لَوَازِمَهُ - مَا يَظْهَرُ بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَفْسَدِ أَقْوَالِ الْعَالَمِينَ بِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ يَأْمُرُ وَيُنْهِي ؛ وَيُخْبِرُ وَيُبَشِّرُ ؛ وَيُنْذِرُ وَيُنَادِي ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ ؛ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا مِنْ مُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ هَذَا الْعَالَمِ فَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ وَاَلَّذِي يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ عِنْدَهُمْ إلَّا مَا يَحْدُثُ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ والمتخيلات وَهَذَا مَعْنَى تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَهُمْ فَعَادَ التَّكْلِيمُ إلَى مُجَرَّدِ عِلْمِ الْمُكَلِّمِ . ثُمَّ إذَا قَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ فَلَا عِلْمَ وَلَا إعْلَامَ وَهَذَا غَايَةُ التَّعْطِيلِ وَالنَّقْصِ وَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ قَطُّ عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ بَلْ حُجَجُهُمْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى قِدَمِ نَوْعِ الْفِعْلِ ؛ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْفَاعِلُ فَاعِلًا أَوْ لَمْ يَزَلْ لِفِعْلِهِ مُدَّةٌ ؛ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لِلْمَادَّةِ مَادَّةٌ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ الْفَلَكِ وَلَا قِدَمَ شَيْءٍ مِنْ حَرَكَاتِهِ ؛ وَلَا قِدَمَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ الْفَلَكِ . وَالرُّسُلُ أَخْبَرَتْ بِخَلْقِ الْأَفْلَاكِ وَخَلْقِ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَتِهَا مَعَ إخْبَارِهَا بِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ مَادَّةٍ قَبْلَ ذَلِكَ وَفِي زَمَانٍ قَبْلَ هَذَا الزَّمَانِ ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَسَوَاءٍ قِيلَ: أَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ بِمِقْدَارِ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُقَدَّرَةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا ؛ أَوْ قِيلَ: إنَّهَا أَكْبَرُ مِنْهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرُهُ أَلْفُ سَنَةٍ فَلَا رَيْبَ أَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ الَّتِي خُلِقَتْ فِيهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَغَيْرُ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ هَذِهِ الْأَفْلَاكِ . وَتِلْكَ الْأَيَّامُ مُقَدَّرَةٌ بِحَرَكَةِ أَجْسَامٍ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ . وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ { اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } فَخُلِقَتْ مِنْ الدُّخَانِ وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ عَنْ السَّلَفِ إنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ الْعَرْشُ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي مُدَّةٍ وَمِنْ مَادَّةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُرْآنُ خَلْقَ شَيْءٍ مِنْ لَا شَيْءٍ بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا كَمَا قَالَ: { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } مَعَ إخْبَارِهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ . وَقَوْلُهُ: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } فِيهَا قَوْلَانِ . فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ بَلْ مِنْ الْعَدَمِ الْمَحْضِ ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } . وَقِيلَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ ؟ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: { أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقْسِيمَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ ؟ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت