كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ بَرَاءَةٌ فَالْمُشْرِكُونَ أَوْلَى بِذَلِكَ أَنْ لَا تَجُوزَ مُعَاهَدَتُهُمْ بِدُونِ ذَلِكَ . قَالُوا: فَكَانَ فِي تَخْصِيصِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى تَرْكِ مُعَاهَدَةِ الْمُشْرِكِينَ بِدُونِ الصَّغَارِ وَالْجِزْيَةِ ؛ كَمَا كَانَ يُعَاهِدُهُمْ فِي مِثْلِ هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُعَاهَدَاتِ . قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ بريدة قَالَ: { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوَا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ اُغْزُوا وَلَا تَغْلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَك وَذِمَّةَ أَصْحَابِك فَإِنَّكُمْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك ؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا } . قَالُوا: فَفِي الْحَدِيثِ أَمْرُهُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ الْكُفَّارَ إلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ إلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْأَمْصَارِ وَإِلَّا فَإِلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَإِنْ لَمْ يُهَاجِرُوا كَانُوا كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَعْرَابُ عَامَّتُهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ دَعَا إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ مَنْ حَاصَرَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ . وَالْحُصُونُ كَانَتْ بِالْيَمَنِ كَثِيرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ وَأَهْلُ الْيَمَنِ كَانَ فِيهِمْ مُشْرِكُونَ وَأَهْلُ كِتَابٍ وَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدَّ لَهُ معافريا وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَبِ آمَنُوا كَمَا آمَنَ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَدَّى الْجِزْيَةَ . وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَكَانُوا مَجُوسًا وَأَسْلَمَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ طَوْعًا وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ وَلَا بِخَيْبَرِ ؛ بَلْ حَارَبَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ وَأَقَرَّ الْيَهُودُ بِخَيْبَرِ فَلَّاحِينَ بِلَا جِزْيَةٍ إلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُهَادِنِينَ لَهُ وَكَانُوا فَلَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ فَأَقَرَّهُمْ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ ثُمَّ أَمَرَ بِإِجْلَائِهِمْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَقِيلَ: هَذَا الْحُكْمُ مَخْصُوصٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اسْتَغْنَى الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ