الصفحة 4 من 24

وَكَأَمْرِهِ بِاسْتِشْهَادِ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِنَا مِمَّنْ نَرْضَى مِنْ الشُّهَدَاءِ وَكَتَحْرِيمِهِ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ ؛ وَكَفَرْضِهِ تَحْلِيلَ الْيَمِينِ بِالْكَفَّارَةِ وَكَتَفْرِيقِهِ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَالطَّلَاقِ ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ: هَلْ هِيَ خَمْرٌ وَيَمِينٌ وَمَيْسِرٌ وَفِدْيَةٌ أَوْ طَلَاقٌ ؟ وَفِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ: هَلْ هِيَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ ؟ وَهَلْ هَذَا الْمُصَلِّي مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ ؟ وَهَذَا الشَّخْصُ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ ؟ وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الِاجْتِهَادِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فِيمَا يَتْبَعُونَهُ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ وَطَاعَةِ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ وَمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ وَآخِرَتِهِمْ . وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَمْثِيلِ الشَّيْءِ بِنَظِيرِهِ وَإِدْرَاجِ الْجُزْئِيِّ تَحْتَ الْكُلِّيِّ وَذَاكَ يُسَمَّى قِيَاسَ التَّمْثِيلِ ؛ وَهَذَا يُسَمَّى قِيَاسَ الشُّمُولِ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ فِي قِيَاسِ الشُّمُولِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْمَنْطِقِيُّونَ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْأُصُولِيُّونَ الْجَامِعَ ؛ وَالْمَنَاطَ ؛ وَالْعِلَّةَ ؛ وَالْأَمَارَةَ ؛ وَالدَّاعِي وَالْبَاعِثَ ؛ وَالْمُقْتَضِيَ ؛ وَالْمُوجِبَ ؛ وَالْمُشْتَرَكَ ؛ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ . وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ وَهُوَ: الْقِيَاسُ الْمَحْضُ وَهُوَ: أَنْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمٍ فِي أُمُورٍ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهَا فَيَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا مِثْلُهَا إمَّا لِانْتِفَاءِ الْفَارِقِ ؛ أَوْ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِهِ فِي الْأَصْلِ ؛ فَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي تُقِرُّ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَيُنْكِرُهُ نفاة الْقِيَاسِ . وَإِنَّمَا يَكْثُرُ الْغَلَطُ فِيهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي عَلَّقَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِهِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى سُؤَالَ الْمُطَالَبَةِ وَهُوَ: مُطَالَبَةُ الْمُعْتَرِضِ لِلْمُسْتَدِلِّ بِأَنَّ الْوَصْفَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ ؛ أَوْ دَلِيلُ الْعِلَّةِ . فَأَكْثَرُ غَلَطِ الْقَائِسِينَ مِنْ ظَنِّهِمْ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ مَا لَيْسَ بِعِلَّةِ وَلِهَذَا كَثُرَتْ شَنَاعَاتُهُمْ عَلَى أَهْلِ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ . فَأَمَّا إذَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إلْغَاءِ الْفَارِقِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَرْقٌ يُفَرِّقُ الشَّارِعُ لِأَجْلِهِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ ؛ أَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْفُلَانِيَّ هُوَ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَكَمَ الشَّارِعُ بِهَذَا الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي صُورَةٍ أُخْرَى ؛ فَهَذَا الْقِيَاسُ لَا يُنَازِعُ فِيهِ إلَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ . وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَامِلَةٌ لِلثَّقَلَيْنِ: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ فَلَا يُظَنُّ أَنَّهُ خَصَّ الْعَرَبَ بِحُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ أَصْلًا بَلْ إنَّمَا عَلَّقَ الْأَحْكَامَ بِاسْمِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ ؛ وَمُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٍ ؛ وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ ؛ وَمُحْسِنٍ وَظَالِمٍ ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا الْحَدِيثِ تَخْصِيصُ الْعَرَبِ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَلَكِنْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ظَنَّ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ كَمَا ظَنَّ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ خَصَّ الْعَرَبَ بِأَنْ لَا يُسْتَرَقُّوا وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُمْ يُسْتَرَقُّونَ كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ حَيْثُ اُسْتُرِقَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَفِيهِمْ جُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَأَعْتَقَ بِسَبَبِهَا مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْ قَوْمِهَا . وَقَالَ فِي حَدِيثِ هَوَازِنَ: { اخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إمَّا السَّبْيَ ؛ وَإِمَّا الْمَالَ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت