الصفحة 19 من 24

بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ لَا يَتَصَرَّفُ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ الْمَلَكِيُّ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ عَبْدًا رَسُولًا وَسُلَيْمَانُ نَبِيٌّ مَلِكٌ وَالْعَبْدُ الرَّسُولُ أَفْضَلُ مِنْ النَّبِيِّ الْمَلِكِ كَمَا أَنَّ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ أَفْضَلُ مِنْ عُمُومِ الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَقَدْ رَوَى النسائي عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ { عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَخَنَقَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى وَجَدْت بَرْدَ لِسَانِهِ عَلَى يَدِي وَلَوْلَا دَعْوَةُ سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ } . وَرَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو داود مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَفِيهِ: { فَأَهْوَيْت بِيَدِي فَمَا زِلْت أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْت بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيْ هَاتَيْنِ: الْإِبْهَامِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا } وَهَذَا فِعْلُهُ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ هَذَا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ كَدَفْعِ الْمَارِّ وَقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ وَالصَّلَاةِ حَالَ الْمُسَايَفَةِ . وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي شَيْطَانِ الْجِنِّ إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي هَلْ يَقْطَعُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد كَمَا ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا: يَقْطَعُ لِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ وَلِقَوْلِهِ لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ مُرُورَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ يَقْطَعُ لِلصَّلَاةِ: { الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ } فَعَلَّلَ بِأَنَّهُ شَيْطَانٌ . وَهُوَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَيْطَانُ الْكِلَابِ وَالْجِنُّ تَتَصَوَّرُ بِصُورَتِهِ كَثِيرًا وَكَذَلِكَ صُورَةُ الْقِطِّ الْأَسْوَدِ ؛ لِأَنَّ السَّوَادَ أَجْمَعُ لِلْقُوَى الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِ وَفِيهِ قُوَّةُ الْحَرَارَةِ . وَمِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى الْجِنِّ الذَّبَائِحُ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَذْبَحُ لِلْجِنِّ وَهُوَ مِنْ الشِّرْكِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَرُوِيَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَبَائِحِ الْجِنِّ وَإِذَا بَرِئَ الْمُصَابُ بِالدُّعَاءِ . وَالذِّكْرِ وَأَمْرِ الْجِنِّ وَنَهْيِهِمْ وَانْتِهَارِهِمْ وَسَبِّهِمْ وَلَعْنِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَرَضَ طَائِفَةٍ مِنْ الْجِنِّ أَوْ مَوْتَهُمْ فَهُمْ الظَّالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَ الرَّاقِي الدَّاعِي الْمُعَالِجُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِمْ كَمَا يَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعَزَائِمِ فَيَأْمُرُونَ بِقَتْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَقَدْ يَحْبِسُونَ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَبْسِهِ ؛ وَلِهَذَا قَدْ تُقَاتِلُهُمْ الْجِنُّ عَلَى ذَلِكَ فَفِيهِمْ مَنْ تَقْتُلُهُ الْجِنُّ أَوْ تُمْرِضُهُ وَفِيهِمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ أَوْ دَوَابِّهِ . وَأَمَّا مَنْ سَلَكَ فِي دَفْعِ عَدَاوَتِهِمْ مَسْلَكَ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُمْ بَلْ هُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالتَّنْفِيسِ عَنْ الْمَكْرُوبِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ بِالْخَلْقِ وَلَا ظُلْمٌ لِلْمَخْلُوقِ وَمِثْلُ هَذَا لَا تُؤْذِيهِ الْجِنُّ إمَّا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّهُ عَادِلٌ ؛ وَإِمَّا لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ . وَإِنْ كَانَ الْجِنُّ مِنْ الْعَفَارِيتِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَقَدْ تُؤْذِيهِ فَيَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَحْتَرِزَ بِقِرَاءَةِ الْعَوْذِ مِثْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالْمُعَوِّذَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي الْإِيمَانَ وَيُجَنِّبُ الذُّنُوبَ الَّتِي بِهَا يُسَلَّطُونَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْصُرَ الْعَدُوَّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فَوْقَ قُدْرَتِهِ فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا فَلَا يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ . وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْتَصِرُ بِهِ عَلَيْهِمْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت