وَغَيْرِ قُرَيْشٍ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَكْثَرِ بَنِي هَاشِمٍ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } وَفِي الْقُرُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَخُصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَرْنَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ كَذَلِكَ لَمْ يَخُصَّ الْعَرَبَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ وَلَا خَصَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِحُكْمٍ دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ وَلَكِنْ الصَّحَابَةُ لِمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ أَخْبَرَ بِفَضْلِهِمْ وَكَذَلِكَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ لَمْ يَخُصَّهُمْ بِحُكْمِ وَلَكِنْ أَخْبَرَ بِمَا لَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ لِمَا اخْتَصُّوا بِهِ مِنْ الْعَمَلِ وَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّسَبِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ أُرْسِلَ إلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَلَمْ يَخُصَّ الْعَرَبَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ بِأَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَكِنْ خَصَّ قُرَيْشًا بِأَنَّ الْإِمَامَةَ فِيهِمْ وَخَصَّ بَنِي هَاشِمٍ بِتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ جِنْسَ قُرَيْشٍ لَمَّا كَانُوا أَفْضَلَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامَةُ فِي أَفْضَلِ الْأَجْنَاسِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَلَيْسَتْ الْإِمَامَةُ أَمْرًا شَامِلًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا يَتَوَلَّاهَا وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ . وَأَمَّا تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ فَحَرَّمَهَا عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ تَكْمِيلًا لِتَطْهِيرِهِمْ وَدَفْعًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهُ كَمَا لَمْ يُوَرِّثْ فَلَا يَأْخُذُ وَرَثَتُهُ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا ؛ بَلْ لَا يَكُونُ لَهُ وَلِمَنْ يَمُونُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ إلَّا نَفَقَتُهُمْ وَسَائِرُ مَالِ اللَّهِ يُصْرَفُ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَذَوُو قُرْبَاهُ يُعْطَوْنَ بِمَعْرُوفٍ مِنْ مَالِ الْخُمُسِ وَالْفَيْءُ الَّذِي يُعْطَى مِنْهُ فِي سَائِرِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَصُّ بِأَصْنَافٍ مُعَيَّنَةٍ كَالصَّدَقَاتِ ثُمَّ مَا جَعَلَ لِذَوِي الْقُرْبَى قَدْ قِيلَ: إنَّهُ سَقَطَ بِمَوْتِهِ كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقِيلَ: هُوَ لِقُرْبَى مَنْ يَلِي الْأَمْرَ بَعْدَهُ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ: { مَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً إلَّا كَانَتْ لِمَنْ يَلِي الْأَمْرَ بَعْدَهُ } وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِ . وَقِيلَ: إنَّ هَذَا كَانَ مَأْخَذَ عُثْمَانَ فِي إعْطَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَقِيلَ: هُوَ لِذَوِي قُرْبَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمًا . ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ . وَقِيلَ: بَلْ الْخُمُسُ وَالْفَيْءُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلَا يُقْسَمُ عَلَى أَجْزَاءٍ مُقَدَّرَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ . وَعَنْ أَحْمَد أَنَّهُ جَعَلَ خُمُسَ الزَّكَاةِ فَيْئًا وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَسِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَبَسْطُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ بَعْضَ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ أُمُورًا كَانَتْ فِي الْعَرَبِ فَحُكْمُ الْآيَاتِ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ مَا تَقْتَضِيهِ الْآيَاتُ لَفْظًا وَمَعْنًى فِي أَيِّ نَوْعٍ كَانَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ . وَجَمَاهِيرُ الْأُمَمِ يُقِرُّ بِالْجِنِّ وَلَهُمْ مَعَهُمْ وَقَائِعُ يَطُولُ وَصْفُهَا وَلَمْ يُنْكِرْ الْجِنَّ إلَّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ جُهَّالِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْأَطِبَّاءِ وَنَحْوِهِمْ وَأَمَّا أَكَابِرُ الْقَوْمِ فَالْمَأْثُورُ عَنْهُمْ: إمَّا الْإِقْرَارُ بِهَا . وَإِمَّا أَنْ لَا يُحْكَى عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ . وَمِنْ الْمَعْرُوفِ عَنْ بقراط أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ: إنَّهُ يَنْفَعُ مِنْ الصَّرْعِ لَسْت أَعْنِي الَّذِي يُعَالِجُهُ أَصْحَابُ الْهَيَاكِلِ وَإِنَّمَا أَعْنِي الصَّرْعَ الَّذِي يُعَالِجُهُ الْأَطِبَّاءُ . وَأَنَّهُ قَالَ: طِبُّنَا مَعَ طِبِّ أَهْلِ الْهَيَاكِلِ كَطِبِّ الْعَجَائِزِ مَعَ طِبِّنَا . وَلَيْسَ لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ حُجَّةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا تَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ وَإِنَّمَا مَعَهُ