و خرج ابن جرير الطبري من [ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يواصل إلى السحر ففعل ذلك بعض أصحابه فنهاه فقال: أنت تفعل ذلك ؟ فقال: إنكم لستم مثلي إني أظل عند ربي يطعمني و يسقيني[1]
]و زعم ابن جرير: أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن يواصل في صيامه إلا إلى السحر خاصة و إن ذلك يجوز لمن قوي عليه و يكره لغيره و أنكر أن يكون استدامة الصيام في الليل كله طاعة عند أحد من العلماء و قال: إنما كان يمسك بعضهم لمعنى آخر غير الصيام إما ليكون أنشط له على العبادة أو إيثارا بطعامه على نفسه أو لخوف مقلق منعه طعامه أو نحو ذلك فمقتضى كلامه: أن من واصل و لم يفطر ليكون أنشط له على العبادة من غيره أن يعتقد أن إمساك الليل قربة أنه جائز و إن أمسك تعبدا بالمواصلة فإن كان إلى السحر و قوي عليه لم يكره و إلا كره و لذلك قال أحمد و إسحاق لا يكره الوصال إلى السحر و في صحيح البخاري [ عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله ؟ قال: إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني و ساق يسقيني[2] ]و ظاهر هذا يدل على أنه صلى الله عليه و سلم كان يواصل الليل كله و قد يكون صلى الله عليه و سلم إنما فعل ذلك لأنه رآه أنشط له على الاجتهاد في ليالي العشر و لم يكن ذلك مضعفا له عن العمل فإن الله كان يطعمه و يسقيه
و اختلف في معنى إطعامه فقيل: إنه كان يؤتى بطعام من الجنة يأكله و في هذا نظر فإنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا و قد أقرهم على قولهم له إنك تواصل لكن
(1) سبق تخريجه.. ...
(2) أخرجه: البخاري في الصحيح (2/583) .