المدني: من الذي ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حُنين لما انهزم أكثر المسلمين؟ هل هم حديثو العهد بالإسلام ومُسلِمة الفتح الذين لم يتربوا وقتًا كافيًا في مدرسة النبوة والذين خرج كثير منهم طلبًا للغنائم؟ كلا .. إن غالب من ثبت هم أولئك الصفوة المؤمنة التي تلقت قدرًا عظيمًا من التربية على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو لم تكن هناك تربية ترى هل كان سيثبت هؤلاء؟
ثامنًا: الثقة بالطريق: كلما ازدادت الثقة بالطريق الذي يسلكه المسلم، كان ثباته عليه أكبر، ولهذا وسائل منها:
1 -استشعار أن الصراط المستقيم الذي تسلكه ليس جديدًا، ولا وليد زمانك، وإنما هو طريق عتيق قد سار فيه من قبلك الأنبياء والصديقون والعلماء والشهداء والصالحون؛ فتزول غربتك، وتتبدل وحشتك أنسًا، وكآبتك فرحًا وسرورًا؛ لأنك تشعر بأن أولئك كلهم أخوة لك في الطريق والمنهج.
2 -الشعور بالاصطفاء، قال الله عز وجل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ [59] {سورة النمل وقال:} ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [32] {سورة فاطر. وقال:} وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَاوِيلِ الْأَحَادِيثِ [6] سورة يوسف. وكما أن الله اصطفى الأنبياء فاللصالحين نصيب من ذلك الاصطفاء، وهو ما ورثوه من علوم الأنبياء ... ألا ترى أن شعورك باصطفاء الله لك، وأنْ جعلك داعية من أهل السنة والجماعة؛ من عوامل ثباتك على منهجك وطريقك؟
تاسعًا: ممارسة الدعوة إلى الله عز وجل: النفس إن لم تتحرك تأسن، وإن لم تنطلق تتعفن، ومن أعظم مجالات انطلاق النفس: الدعوة إلى الله، فهي وظيفة الرسل، ومخلصة النفس من العذاب؛ فيها تتفجر الطاقات، وتنجز المهمات: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [15] سورة الشورى ... والدعوة إلى المنهج الصحيح- ببذل الوقت، وكدّ الفكر، وسعي الجسد، وانطلاق اللسان، بحيث تصبح الدعوة هم المسلم وشغله الشاغل - تقطع الطريق على محاولات الشيطان بالإضلال والفتنة. زد على ذلك ما يحدث في نفس الداعية من الشعور بالتحدي تجاه العوائق، والمعاندين، وأهل الباطل، وهو يسير في مشواره الدعوي؛ فيرتقي إيمانه، وتقوى أركانه، فتكون الدعوة بالإضافة لما فيها من الأجر العظيم وسيلة من وسائل الثبات، والحماية من التراجع والتقهقر، لأن الذي يُهاجم لا يحتاج للدفاع، والله مع الدعاة يثبتهم ويسدد خطاهم والداعية كالطبيب يحارب المرض بخبرته وعلمه، وبمحاربته في الآخرين فهو أبعد من غيره عن الوقوع فيه.