الصفحة 30 من 32

أَزَلِيَّةٌ يُقَارِنُهَا الْمَعْلُولُ الْأَزَلِيُّ فَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا . وَمَعْلُومٌ أَنَّ صُدُورَ الْحَوَادِثِ الْمُخْتَلِفَةِ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْبَسِيطَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا مُقْتَضَاهَا وَمَعْلُولُهَا أَشَدُّ امْتِنَاعًا مِنْ صُدُورِ الْحَوَادِثِ عَنْ قَادِرٍ مُخْتَارٍ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ صَادِرَةً عَنْهُ فَإِنْ كَانَ حُدُوثُ الْحَوَادِثِ عَنْ الْقَدِيمِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ حَادِثٌ مُمْتَنِعًا فَقَوْلُكُمْ أَشَدُّ امْتِنَاعًا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ أَقْرَبُ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: إنْ اقْتَضَى أَنْ لَا يَكُونُ لِلْحَوَادِثِ سَبَبٌ حَادِثٌ فَقَوْلُكُمْ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْحَوَادِثِ مُحْدَثٌ أَصْلًا وَالْحَوَادِثُ مَشْهُودَةٌ وَالْمُحْدِثُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِهَا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْأَحْدَاثِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْإِحْدَاثِ وَذَلِكَ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ . فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُقَدَّمَاتِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْفَلَاسِفَةُ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ عَلَى قِدَمِ الْعَالَمِ يُحْتَجُّ بِهَا بِعَيْنِهَا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ ؛ فَإِنَّ مَبْنَى دَلِيلِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْأَزَلِيَّةَ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا وَأَنَّ الْبَارِي إنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً لَزِمَ الْحُدُوثُ بِلَا سَبَبٍ وَإِنْ كَانَ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً لَزِمَ مُقَارَنَةُ مَعْلُولِهِ ؛ فَيَلْزَمُ قِدَمُ الْعَالَمِ . أَمَّا كَوْنُهُ عِلَّةً تَامَّةً فَمُمْتَنِعٌ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ الْأَزَلِيَّةَ يُقَارِنُهَا مَعْلُولُهَا كُلُّهُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا شَيْءٌ مِنْ مَعْلُولِهَا وَالْعَالَمُ لَا يَنْفَكُّ مِنْ حَوَادِثَ مُقَارَنَةٍ لَهُ بِالضَّرُورَةِ وَاتِّفَاقُ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ وَمَا كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَوَادِثِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ مَعْلُولَ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْأَزَلِيَّةِ ؛ لِامْتِنَاعِ كَوْنِ الْحَوَادِثِ حَادِثَةً عَنْ عِلَّةٍ تَامَّةٍ أَزَلِيَّةٍ فَإِنَّهُ مَا مِنْ حَادِثٍ إلَّا وَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ فَلَيْسَ هُوَ عِلَّةً تَامَّةً لِشَيْءِ مِنْهَا وَمَا مِنْ زَمَنٍ يُقَدَّرُ إلَّا وَفِيهِ حَادِثٌ فَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ عِلَّةً تَامَّةً لَا فِي الْمَاضِي وَلَا الْمُسْتَقْبَلَ ؛ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً تَامَّةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ؛ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ كُلِّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثًا سَوَاءً قِيلَ بِتَسَلْسُلِ الْحَادِثَةِ أَوْ لَمْ يُقَلْ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً تَامَّةً أَزَلِيَّةً لَزِمَ الْحُدُوثُ بِلَا سَبَبٍ . فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ - تَقُومُ بِهِ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى - وَإِلَّا فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَحِينَئِذٍ فَمَا حَصَلَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ يَكُونُ هُوَ السَّبَبَ لِمَا بَعْدَهُ . وَإِنْ قَالُوا: هَذَا يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْحَوَادِثِ بِهِ قِيلَ لَهُمْ أَوَّلًا: قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِالْقَدِيمِ جَائِزٌ عِنْدَكُمْ وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ فَإِنَّمَا أَنْكَرَهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ مَا قَامَتْ بِهِ الْحَوَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ فَإِنْ كَانَ هَذَا الِاعْتِقَادُ صَحِيحًا بَطَلَ قَوْلُكُمْ بِقِدَمِ الْأَفْلَاكِ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا بَطَلَتْ حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَدِيمَ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ ؛ فَلَا يُمْكِنُكُمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَنْ تَقُولُوا إنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ ؛ لَكِنْ أَنْتُمْ نَفَيْتُمْ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ وَقَوْلُكُمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَدَلِيلُكُمْ عَلَيْهِ قَدْ بُيِّنَ فَسَادُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبُيِّنَ بُطْلَانُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ . وَ"بِالْجُمْلَةِ"فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ مُسْتَلْزِمًا لِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَقِيَامِ الْأَفْعَالِ بِاَللَّهِ كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلِيلِ حُدُوثِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ وَأَنَّ مُحْدِثَهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهِ فَاعِلُ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت