الصفحة 37 من 38

ثُمَّ خَصَّ الْإِنْسَانَ فَقَالَ: { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } . ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ عَلَّمَ ؛ فَإِنَّ الْهُدَى وَالتَّعْلِيمَ هُوَ كَمَالُ الْمَخْلُوقَاتِ . وَالْعِلْمُ لَهُ"ثَلَاثُ مَرَاتِبَ"عِلْمٌ بِالْجَنَانِ وَعِبَارَةٌ بِاللِّسَانِ وَخَطٌّ بِالْبَنَانِ ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ أَرْبَعُ وجودات: وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ وَرَسْمِيٌّ . وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ وَوُجُودٌ فِي الْأَذْهَانِ وَاللِّسَانِ وَالْبَنَانِ ؛ لَكِنَّ الْوُجُودَ الْعَيْنِيَّ هُوَ وُجُودُ الْمَوْجُودَاتِ فِي أَنْفُسِهَا وَاَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَمَّا الذِّهْنِيُّ الجناني فَهُوَ الْعِلْمُ بِهَا الَّذِي فِي الْقُلُوبِ وَالْعِبَارَةُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ اللِّسَانِيُّ وَكِتَابَةُ ذَلِكَ هُوَ الرَّسْمِيُّ الْبَنَانِيُّ وَتَعْلِيمُ الْخَطِّ يَسْتَلْزِمُ تَعْلِيمَ الْعَبَّارَةِ وَاللَّفْظِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَعْلِيمَ الْعِلْمِ فَقَالَ: { عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } لِأَنَّ التَّعْلِيمَ بِالْقَلَمِ يَسْتَلْزِمُ الْمَرَاتِبَ الثَّلَاثَ وَأَطْلَقَ التَّعْلِيمَ ثُمَّ خَصَّ فَقَالَ: { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } . وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي وُجُودِ كُلِّ شَيْءٍ هَلْ هُوَ عَيْنُ مَاهِيَّتِه أَمْ لَا ؟ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبُيِّنَ أَنَّ الصَّوَابَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالْوُجُودِ مَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الْأَعْيَانِ وَبِالْمَاهِيَّةِ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَذْهَانِ فَعَلَى هَذَا فَوُجُودُ الْمَوْجُودَاتِ الثَّابِتُ فِي الْأَعْيَانِ لَيْسَ هُوَ مَاهِيَّتَهَا الْمُتَصَوَّرَةَ فِي الْأَذْهَانِ ؛ لَكِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَوْجُودَ الثَّابِتَ فِي الْأَعْيَانِ وَعَلِمَ الْمَاهِيَّاتِ الْمُتَصَوِّرَةَ فِي الْأَذْهَانِ كَمَا أَنْزَلَ بَيَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا مِنْ الْقُرْآنِ وَقَدْ يُرَادُ بِالْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةِ كِلَاهُمَا: مَا هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْأَعْيَانِ وَمَا هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْأَذْهَانِ فَإِذَا أُرِيدَ بِهَذَا وَهَذَا مَا هُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْأَعْيَانِ أَوْ مَا هُوَ مُتَصَوَّرٌ فِي الْأَذْهَانِ فَلَيْسَ هُمَا فِي الْأَعْيَانِ اثْنَانِ ؛ بَلْ هَذَا هُوَ هَذَا . وَكَذَلِكَ الذِّهْنُ إذَا تَصَوَّرَ شَيْئًا فَتِلْكَ الصُّورَةُ هِيَ الْمِثَالُ الَّذِي تَصَوَّرَهَا وَذَلِكَ هُوَ وُجُودُهَا الذِّهْنِيُّ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ الْأَذْهَانُ ؛ فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَأَمْثَالَهَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ أَكْثَرَ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى أُصُولِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَتَفَاصِيلِهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى ؛ فَإِنَّ النَّاسَ كَثُرَ نِزَاعُهُمْ فِيهَا حَتَّى قِيلَ:"مَسْأَلَةُ الْكَلَامِ"حَيَّرَتْ عُقُولَ الْأَنَامِ . وَلَكِنَّ سُؤَالَ هَذَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ الْبَسْطَ الْكَثِيرَ فَإِنَّهُمَا سَأَلَا بِحَسَبِ مَا سَمِعَاهُ وَاعْتَقَدَاهُ وَتَصَوَّرَاهُ فَإِذَا عَرَفَ السَّائِلُ أَصْلَ مَسْأَلَتِهِ وَلَوَازِمَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمَعَانِي الْمُشْتَبِهَةِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مِنْ الْخَلْقِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُقَابِلَهُ آخَرُ بِمِثْلِ إطْلَاقِهِ . وَمِنْ الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ"نَوْعَانِ": نَوْعٌ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُقِرَّ بِمُوجَبِ ذَلِكَ فَيُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَنْفِي مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَاللَّفْظُ الَّذِي أَثْبَتَهُ اللَّهُ أَوْ نَفَاهُ حَقٌّ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ وَالْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ لَهَا حُرْمَةٌ . وَمِنْ تَمَامِ الْعِلْمِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ مُرَادِ رَسُولِهِ بِهَا لِيُثْبِتَ مَا أَثْبَتَهُ وَيَنْفِيَ مَا نَفَاهُ مِنْ الْمَعَانِي فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ وَنُطِيعَهُ فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَ وَأَمَرَ ثُمَّ إذَا عَرَفْنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت