الصفحة 28 من 38

وَاللُّهُوَاتِ وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ وَتَوَهَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِ التَّالِي أَوْ الْكَلَامُ الَّذِي قَامَ بِذَاتِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ التَّقْطِيعِ وَالْوَصْلِ وَالتَّقْرِيبِ وَالتَّبْعِيدِ: فَقَدْ حَكَمَ بِهِ مُحْدَثًا ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ هُوَ الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَافِ الْأَدَوَاتِ ا هـ . ( قُلْت فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَقَلُّ خَطَأً مِمَّا قَالَهُ البرزبيني فَإِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ مُخَالَفَةً ظَاهِرَةً فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ عَامِدًا لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالْإِجْمَاعِ خِلَافَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يَعْقُوبُ وَمَتَى قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ لَمْ تَبْطُلْ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التِّلَاوَةَ وَالْخِطَابَ فَفِيهِ نِزَاعٌ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد لَا تَبْطُلُ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ تَبْطُلُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ . وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ؛ فَإِنَّ قَوْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: { فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَلَمْ يَقْصِدْ عَلِيٌّ أَنْ يَقُولَ لِلْخَارِجِيِّ: وَلَا يَسْتَخِفَّنك الْخَوَارِجُ ؛ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يُسْمِعَهُ الْآيَةَ وَأَنَّهُ عَامِلٌ بِهَا صَابِرٌ لَا يَسْتَخِفُّهُ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ وَابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ لَهُمْ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ: { ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِصْرَ بِلَا تَنْوِينٍ هِيَ مِصْرُ الْمَدِينَةُ وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ بِالْكُوفَةِ . وَابْنُ مَسْعُودٍ إنَّمَا كَانَ بِالْكُوفَةِ ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ تِلَاوَةَ الْآيَةِ وَقَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَنْبِيهَ الْحَاضِرِينَ عَلَى الدُّخُولِ ؛ فَإِنَّهُمْ سَمِعُوا قَوْلَهُ اُدْخُلُوا فَعَلِمُوا أَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ وَإِنْ كَانَ هُوَ تَلَا الْآيَةَ فَهَذَا هَذَا . وَأَمَّا جَوَابُ ابْنِ عَقِيلٍ فَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِ ابْنِ كُلَّابٍ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ هُوَ وَشَيْخُهُ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ الْأَصْلُ الَّذِي وَافَقُوا فِيهِ ابْنَ كُلَّابٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا يَقُومُ بِهِ شَيْءٌ يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ ؛ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِهِ عِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ وَاَللَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ حَادِثٌ عِنْدَهُمْ ؛ وَلِهَذَا تَأَوَّلُوا النُّصُوصَ الْمُنَاقِضَةَ لِهَذَا الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ سَيَرَى الْأَعْمَالَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } وَقَوْلِهِ: { وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ بَعْدَ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ . وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ } فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ } يَقْتَضِي أَنَّهُ نُودِيَ لَمَّا أَتَاهَا لَمْ يُنَادِ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ . وَهَذَا الْأَصْلُ هُوَ مِمَّا أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَى ابْنِ كُلَّابٍ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى عَلَى الْحَارِثِ الْمُحَاسِبِيَّ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِ الْحَارِثِ وَأَمَرَ أَحْمَد بِهَجْرِهِ وَهَجْرِ الكلابية وَقَالَ: احْذَرُوا مِنْ حَارِثٍ الْآفَةُ كُلُّهَا مِنْ حَارِثٍ فَمَاتَ الْحَارِثُ وَمَا صَلَّى عَلَيْهِ إلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ بِسَبَبِ تَحْذِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَد عَنْهُ مَعَ أَنَّ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ مَنْ وَافَقَ ابْنَ كُلَّابٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت