فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 20

وَسُئِلَ: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَهُدَاةُ الْمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فِي الْكَلَامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ كِتَابُ"فُصُوصِ الْحُكْمِ"وَمَا شَاكَلَهُ مِنْ الْكَلَامِ الظَّاهِرِ فِي اعْتِقَادِ قَائِلِهِ: أَنَّ الرَّبَّ وَالْعَبْدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَأَنَّ مَا ثَمَّ غَيْرٌ كَمَنْ قَالَ فِي شِعْرِهِ: أَنَا وَهُوَ وَاحِدٌ مَا مَعَنَا شَيْء وَمِثْلُ: أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا وَمِثْلُ: إذَا كُنْت لَيْلَى وَلَيْلَى أَنَا وَكَقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَوْ عَرَفَ النَّاسُ الْحَقَّ مَا رَأَوْا عَابِدًا وَلَا مَعْبُودًا . وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَمْ تَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي كَلَامِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ . وَيَدَّعِي الْقَائِلُ لِذَلِكَ: أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَكَرَ خَيْرَ خَلْقِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَقَالَ تَعَالَى عَنْ خَاتَمِ رُسُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } وَكَذَلِكَ قَالَ فِي حَقِّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنْ هُوَ إلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } وَقَالَ تَعَالَى: { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } - الْآيَةَ . فَالنَّصَارَى كُفَّارٌ بِقَوْلِهِمْ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ فِي عِيسَى بِمُفْرَدِهِ فَكَيْفَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الِاعْتِقَادَ: تَارَةً فِي نَفْسِهِ وَتَارَةً فِي الصُّوَرِ الْحَسَنَةِ: مِنْ النِّسْوَانِ والمردان وَيَقُولُونَ: إنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ لَهُ سِرٌّ خَفِيٌّ وَبَاطِنٌ حَقٌّ وَإِنَّهُ مِنْ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا خَوَاصُّ خَوَاصِّ الْخَلْقِ . فَهَلْ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ سِرٌّ خَفِيٌّ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ أَنْ يَجْتَهِدَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا وَالْوُصُولِ إلَى حَقَائِقِهَا - كَمَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ - أَمْ بَاطِنُهَا كَظَاهِرِهَا ؟ وَهَذَا الِاعْتِقَادُ الْمَذْكُورُ هُوَ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ أَمْ هُوَ الْكُفْرُ بِعَيْنِهِ ؟ . وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّبِعَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أَمْ يَقِفُ مَعَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ الْمُضِلِّينَ ؟ وَإِنَّ تَرْكَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَوَافَقَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فَمَاذَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ يَوْمَ الدِّينِ ؟ . أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْكَرِيمُ .

فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ"فُصُوصِ الْحُكْمِ"وَمَا شَاكَلَهُ مِنْ الْكَلَامِ: فَإِنَّهُ كُفْرٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ؛ وَبَاطِنُهُ أَقْبَحُ مِنْ ظَاهِرِهِ . وَهَذَا يُسَمَّى مَذْهَبَ أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَأَهْلِ الْحُلُولِ وَأَهْلِ الِاتِّحَادِ . وَهُمْ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ الْمُحَقِّقِينَ . وَهَؤُلَاءِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَقُولُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ صَاحِبِ الْفُصُوصِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالِهِ: مِثْلُ ابْنِ سَبْعِينَ وَابْنِ الْفَارِضِ . والقونوي والششتري وَالتِّلْمِسَانِيّ وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَيَقُولُونَ: إنَّ وُجُودَ الْمَخْلُوقِ هُوَ وُجُودُ الْخَالِقِ لَا يُثْبِتُونَ مَوْجُودَيْنِ خَلَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَلْ يَقُولُونَ: الْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالْمَخْلُوقُ هُوَ الْخَالِقُ . وَيَقُولُونَ: إنَّ وُجُودَ الْأَصْنَامِ هُوَ وُجُودُ اللَّهِ وَإِنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ مَا عَبَدُوا شَيْئًا إلَّا اللَّهَ . وَيَقُولُونَ: إنَّ الْحَقَّ يُوصَفُ بِجَمِيعِ مَا يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالذَّمِّ . وَيَقُولُونَ: إنَّ عُبَّادَ الْعِجْلِ مَا عَبَدُوا إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ مُوسَى أَنْكَرَ عَلَى هَارُونَ لِكَوْنِ هَارُونَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبَادَةَ الْعِجْلِ وَأَنَّ مُوسَى كَانَ بِزَعْمِهِمْ مِنْ الْعَارِفِينَ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَلْ يَرَوْنَهُ عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } بَلْ هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُهُ صَاحِبُ الْفُصُوصِ . وَيَقُولُ أَعْظَمُ مُحَقِّقِيهِمْ: إنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ شِرْكٌ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ ؛ وَلَيْسَ التَّوْحِيدُ إلَّا فِي كَلَامِنَا . فَقِيلَ لَهُ: فَإِذَا كَانَ الْوُجُودُ وَاحِدًا فَلِمَ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حَلَالًا وَالْأُمُّ حَرَامًا ؟ فَقَالَ: الْكُلُّ عِنْدَنَا وَاحِدٌ وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ قَالُوا: حَرَامٌ . فَقُلْنَا: حَرَامٌ عَلَيْكُمْ . وَكَذَلِكَ مَا فِي شِعْرِ ابْنِ الْفَارِضِ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي سَمَّاهَا نَظْمُ السُّلُوكِ كَقَوْلِهِ: - لَهَا صَلَوَاتِي بِالْمَقَامِ أُقِيمُهَا وَأَشْهَدُ فِيهَا أَنَّهَا لِي صَلَّتْ كِلَانَا مُصَلٍّ وَاحِدٌ سَاجِدٌ إلَى حَقِيقَتِهِ بِالْجَمْعِ فِي كُلِّ سَجْدَةِ وَمَا كَانَ لِي صَلَّى سِوَايَ وَلَمْ تَكُنْ صَلَاتِي لِغَيْرِي فِي أَدَاءِ كُلِّ سَجْدَةِ وَقَوْلِهِ: وَمَا زِلْت إيَّاهَا وَإِيَّايَ لَمْ تَزَلْ وَلَا فَرْقَ بَلْ ذَاتِي لِذَاتِي أَحَبَّتْ وَقَوْلِهِ: إلَيَّ رَسُولًا كُنْت مِنِّي مُرْسَلًا وَذَاتِي بِآيَاتِي عَلَيَّ اسْتَدَلَّتْ فَأَقْوَالُ هَؤُلَاءِ وَنَحْوِهَا: بَاطِنُهَا أَعْظَمُ كُفْرًا وَإِلْحَادًا مَنْ ظَاهِرِهَا فَإِنَّهُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ ظَاهِرَهَا مَنْ جِنْسِ كَلَامِ الشُّيُوخِ الْعَارِفِينَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ وَأَمَّا بَاطِنُهَا فَإِنَّهُ أَعْظَمُ كُفْرًا وَكَذِبًا وَجَهْلًا مِنْ كَلَامِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ . وَلِهَذَا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَعْرَفُ بِبَاطِنِ الْمَذْهَبِ وَحَقِيقَتِهِ - كَانَ أَعْظَمَ كُفْرًا وَفِسْقًا كالتلمساني ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْرَفِ هَؤُلَاءِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ وَأَخْبَرِهِمْ بِحَقِيقَتِهِ فَأَخْرَجَهُ ذَلِكَ إلَى الْفِعْلِ فَكَانَ يُعَظِّمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَيَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَاتِ وَيُصَنِّفُ للنصيرية كُتُبًا عَلَى مَذْهَبِهِمْ يُقِرُّهُمْ فِيهَا عَلَى عَقِيدَتِهِمْ الشركية . وَكَذَلِكَ ابْنُ سَبْعِينَ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ هَؤُلَاءِ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالسِّحْرِ الَّذِي يُسَمَّى السِّيمِيَاءَ - وَالْمُوَافَقَةُ لِلنَّصَارَى وَالْقَرَامِطَةِ وَالرَّافِضَةِ: مَا يُنَاسِبُ أُصُولَهُ . فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَخْبَرَ بِبَاطِنِ هَذَا الْمَذْهَبِ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ كَانَ أَظْهَرَ كُفْرًا وَإِلْحَادًا . وَأَمَّا الْجُهَّالُ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ وَلَا يُفْهِمُونَهُ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْمَشَايِخِ الْعَارِفِينَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ صَحِيحٍ لَا يَفْهَمُهُ كَثِيرٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت