ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّ تَعْلِيقَ الضَّمَانِ بِالتَّمْكِينِ مِنْ الْقَبْضِ أَحْسَنُ مِنْ تَعْلِيقِهِ بِنَفْسِ الْقَبْضِ وَبِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ فَفِي الثِّمَارِ الَّتِي أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْجِذَاذِ وَكَانَ مَعْذُورًا فَإِذَا تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ؛ وَلِهَذَا الَّتِي تَلِفَتْ بَعْدَ تَفْرِيطِهِ فِي الْقَبْضِ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ وَالْعَبْدُ وَالدَّابَّةُ الَّتِي تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهَا تَكُونُ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ . وَمَنْ جَعَلَ التَّصَرُّفَ تَابِعًا لِلضَّمَانِ فَقَدْ غَلِطَ ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ اسْتِيفَائِهَا كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ وَمَعَ هَذَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي إيجَارِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ الْأُجْرَةِ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ رِبْحًا فِيمَا لَا يُضْمَنُ وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهَا إذَا تَلِفَتْ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ وَلَكِنْ إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَكُنْ مِنْ ضَمَانِهِ . وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ أَيْضًا ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ جُزَافًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَى أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ إلَى رِحَالِنَا } . وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الْقَائِلُ: { مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي } . فَتَبَيَّنَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الطَّعَامِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَنْقُلَهُ وَغَلَّةُ الثِّمَارِ وَالْمَنَافِعُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا وَلَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهَا كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ وَالْبَائِعِ وَالْمَنَافِعُ لَا يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا وَكَذَلِكَ الثِّمَارُ لَا تُبَاعُ عَلَى الْأَشْجَارِ بَعْدَ الْجِذَاذِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ الْمَنْقُولِ . وَالسُّنَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الْقَبْضِ وَغَيْرِ الْقَادِرِ فِي الضَّمَانِ وَالتَّصَرُّفِ فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ كُلِّهِ وَقَوْلُهُمْ أَعْدَلُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يُخَالِفُ السُّنَّةَ . وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ مِثْلَ بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ: مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَهَا مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا مَعَ الْوَصْفِ ؛ وَمَالِكٌ جَوَّزَ بَيْعَهَا مَعَ الصِّفَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهَذَا أَعْدَلُ . وَالْعُقُودُ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَوْجَبَ فِيهَا الْأَلْفَاظَ وَتَعَاقَبَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ جَعَلُوا الْمَرْجِعَ فِي الْعُقُودِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ فَمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ وَمَا عَدُّوهُ إجَارَةً فَهُوَ إجَارَةٌ وَمَا عَدُّوهُ هِبَةً فَهُوَ هِبَةٌ وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَعْدَلُ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ مِنْهَا مَا لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ . وَمِنْهَا مَا لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ . وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ بَلْ يَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ يَحُدَّهَا الشَّارِعُ وَلَا لَهَا حَدٌّ فِي اللُّغَةِ ؛ بَلْ يَتَنَوَّعُ ذَلِكَ بِحَسَبِ عَادَاتِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ فَمَا عَدُّوهُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ وَمَا عَدُّوهُ هِبَةً فَهُوَ هِبَةٌ وَمَا عَدُّوهُ إجَارَةً فَهُوَ إجَارَةٌ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ مَالِكًا يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمُغَيَّبِ فِي الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَاللِّفْتِ وَبَيْعِ المقاثي جُمْلَةً كَمَا يُجَوِّزُ هُوَ وَالْجُمْهُورُ بَيْعَ الْبَاقِلَاءِ وَنَحْوَهُ فِي قِشْرِهِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى هَذَا التَّارِيخِ وَلَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ النَّاسِ بِدُونِ هَذَا وَمَا يُظَنُّ أَنَّ هَذَا نَوْعُ