بَنِي الْعَبَّاسِ - يُرَجِّحُونَ عُلَمَاءَ الْحِجَازِ وَقَوْلَهُمْ عَلَى عُلَمَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَمَا كَانَ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ يُرَجِّحُونَ أَهْلَ الْحِجَازِ عَلَى عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ وَلَمَّا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَسْلُكْ هَذَا السَّبِيلَ بَلْ عَدَلَ إلَى الْآرَاءِ الْمَشْرِقِيَّةِ كَثُرَتْ الْأَحْدَاثُ فِيهِمْ وَضَعُفَتْ الْخِلَافَةُ . ثُمَّ إنَّ بَغْدَادَ إنَّمَا صَارَ فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مَا صَارَ وَتَرَجَّحَتْ عَلَى غَيْرِهَا بَعْدَ مَوْتِ مَالِكٍ وَأَمْثَالِهِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ ؛ وَسَكَنَهَا مَنْ أَفْشَى السُّنَّةَ بِهَا وَأَظْهَرَ حَقَائِقَ الْإِسْلَامِ مِثْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ ظَهَرَتْ بِهَا السُّنَّةُ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَكَثُرَ ذَلِكَ فِيهَا وَانْتَشَرَ مِنْهَا إلَى الْأَمْصَارِ وَانْتَشَرَ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَصَارَ فِي الْمَشْرِقِ مِثْلُ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ راهويه وَأَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَصَارَ إلَى الْمَغْرِبِ مِنْ عِلْمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا نُقِلَ إلَيْهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ فَصَارَ فِي بَغْدَادَ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَا يَكُونُ مِثْلُهُ إذْ ذَاكَ بِالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ . أَمَّا أَحْوَالُ الْحِجَازِ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ عَصْرِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ مَنْ يُفَضَّلُ عَلَى عُلَمَاءِ الْمَشْرِقِ وَالْعِرَاقِ وَالْمَغْرِبِ . وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ وَلَوْ اسْتَقْصَيْنَا فَضْلَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَصِحَّةَ أُصُولِهِمْ لَطَالَ الْكَلَامُ . إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ ؛ فَلَا رَيْبَ عِنْدَ أَحَدٍ أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقْوَمُ النَّاسِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رِوَايَةً وَرَأْيًا ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ وَلَا بَعْدَهُ أَقْوَمُ بِذَلِكَ مِنْهُ كَانَ لَهُ مِنْ الْمَكَانَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - الْخَاصِّ مِنْهُمْ وَالْعَامِّ - مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ بِالْعِلْمِ أَدْنَى إلْمَامٍ وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ أَخْبَارَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فَبَلَغُوا أَلْفًا وسبعمائة أَوْ نَحْوَهَا وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّصَلَ إلَى الْخَطِيبِ حَدِيثُهُمْ بَعْدَ قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ فَكَيْفَ بِمَنْ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ إلَيْهِ خَبَرُهُمْ فَإِنَّ الْخَطِيبَ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَعَصْرُهُ وَعَصْرُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ والبيهقي وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَاحِدٌ وَمَالِكٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ أَبُو حَنِيفَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ الشَّافِعِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَكْثَرُ صَوَابًا بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ . وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْقُرْآنِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مَعَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ عَلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَصَحُّ مِنْ مُسْلِمٍ وَمَنْ رَجَّحَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ رَجَّحَهُ بِجَمْعِهِ أَلْفَاظَ أَحَادِيثَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْسَرُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ جَمْعَ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مُسْلِمٌ أَوْ الرِّجَالَ الَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمْ أَصَحُّ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْبُخَارِيُّ وَمِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمْ ؛ فَهَذَا غَلَطٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ عَالِمٌ كَمَا لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَعْلَمُ مِنْ مُسْلِمٍ بِالْحَدِيثِ وَالْعِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَأَنَّهُ أَفْقَهُ مِنْهُ ؛ إذْ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو داود أَفْقَهُ أَهْلِ الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَّفِقُ لِبَعْضِ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَعْضِ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فَهَذَا قَلِيلٌ وَالْغَالِبُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ