الصفحة 354 من 384

فالشاعر علق لون البياض على ما تتركه وقائع الدهر، وأنه ليس شيبًا من كبر السن، فالعلة بعيدة مخترعة تعذر بها ليثبت لحبيبته التي هجرته أنه مازال شابًا فينفي عن نفسه الشيب إرضاء لنفسه، وإبطالًا لحجتها. فالدافع في تبريره، نفسي أيضًا مما جعله يبحث في المجال البعيد الخاص به كي لا يشعر أنه أصبح غير محبوب من النساء.

فالشاعر، أو الأديب يدرك الأشياء من خلال عاطفته ويقدرها على ما يحسه في نفسه وبقدرته الأدبية يصوغ تلك العاطفة من حيث كونها تجربة تداخلت فيها العواطف بحرية مثيرة في مخيلته ظلال المعنى الذي يظهر في صورة هامشية علاقاتها غير ظاهرة. لذلك عد علماء الجمال (( أن الفن الجيد، أو العظيم يجب أن يكون مثيرا ُقبل كل شيء، وأن الذي يقوم عليه هو الشعور لا الحقيقة ... . ) ) [1] .

وفي تسمية أخرى ترد الدلالة الهامشية عند الجرجاني ايضًا وهي (( التخييل مع حسن التعليل ) ) [2] . ومنه قول الشاعر:

رحل العزاء برحلتي فكأنني ... أتبعته الأنفاس للتشييع

وإشارة الجرجاني إلى الدلالة الهامشية في هذا العنوان دقيقة جدًا فصورة التعليل، أو سبب التعلل مأخوذ من تصور الشاعر لنفسه أنه يعيش حالات تفوق في مستواها ما يمر به الآخرون، لذلك يحس بصدق هذه المعاني في داخله فيتخيل إليه السبب في هيئات تكون صور الحالة التي يتخذ منها في الوقت نفسه تعليلًا لألمه أو فرحه.

فالشاعر في قوله المذكور آنفًا صور أنفاسه الصاعدة بالمشيعين الذين يتبعون (المتوفى) فالتشييع لا يكون إلا للمتوفى وهو (العزاء) في شعره. وحقًا إن هذا التخييل هامشي فردي لغرابة ما فيه من التصوير لحالة الحزن الشديدة التي يعانيها الشاعر.

وقال شاعر آخر [3] :

(1) فلسفة الجمال، جاريت: 99.

(2) أسرار البلاغة: 260.

(3) أسرار البلاغة: 262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت