وينبه الجرجاني في اختصاره على مسائل مهمة اضطربت فكرتها عند من سبقه أولها ربطه التغير الدلالي (( بمعنى اللفظ لا باللفظ ورفضه لفكرة النقل لمجازية اللفظ على أساس الاستبدال لأن المعنى الذي من أجله قالوا ببلاغة المجاز يسقط ) ) [1] . لذلك قال: (( وليس العجب إلا أنهم لا يذكرون شيئا من المجاز إلا قالوا: إنه أبلغ من الحقيقة: فليت شعري إن كان للفظ الأسد في قولنا: هو أسد قد نقل عما وضع له في اللغة وأزيل عنه، وجعل يراد به الشجاع هكذا غفلا ساذجا، فمن أين يجب أن يكون قولنا أسد أبلغ من قولنا شجاع ) ) [2] .
وعلى هذا (( فالعناصر الدالة في اللغة لا تقف عند حد الألفاظ فالمعنى أيضا يمكن أن يتحول إلى دال فتصبح العلاقة بين البنية اللغوية الماثلة والمعنى المراد علاقة مركبة، أو علاقة من درجة ثانية وقد علق الجرجاني ذلك بـ (( الواسطة ) )المدركة بالتأول العقلي لدقة العلاقة بين المعنى الأول والثاني )) [3] .
والمسألة الأخرى التي ينبه عليها هي أن الفهم التأويلي لمعنى هذه (الواسطة) يعتمد على صياغة لغتها التي يجب أن تكون مع احتوائها على بعد ثان لمعناها الأول واضحة التوصيل لأن هذه الخصوصية الشكلية هي التي ستلتقط وتحلل في العقل وبذلك ستكون الواسطة هي البؤرة التي تستوعب الصورة المعبرة عن حالة تخيل العقل الذي أنتجها وقد أسفرت عنها الواسطة (( أحسن سفارة ) ) [4] بين المعنى الأصلي والثانوي المقصود.
وهنا يتوافر شرط البلاغة بتلازم الألفاظ والمعاني والتئام العملية الفكرية بتلاحم أجزاء الصورة الأدبية بالصياغة اللغوية المجسدة للصورة ذات المدلول الثانوي.
ومع أن المعاني هي المقصودة دائما من فحوى الألفاظ ولا سيما في هذه الدلالة إلا أن الدور الأكبر كان للفظ في قدرته على عكس دلالتها في الصياغة
(1) ينظر: التفكير البلاغي عند العرب: 412.
(2) دلائل الإعجاز: 180 - 281.
(3) التفكير البلاغي عند العرب: 412.
(4) أسرار البلاغة: 266 تر: أحمد مصطفى المراغي ط الأولى 1948م.