الصفحة 304 من 384

نفهم أن اليد مجاز في النعمة نفهمه عقليا، كما نفهم الجملة المجازية وفي كل منهما الأوصاف لاحقة للكلمة المفردة، أو الجملة المركبة مجازيا.

وتبعا لباب المجاز تظهر الدلالة الثانوية لدى البلاغيين في القسم الثاني من الدلالات، أو مقاصد الكلام على اعتبار أن القسم الأول هو الدلالة المركزية.

فقد عبر عنها العلوي بـ (الإفادة المعنوية) في حديثه عن (المقصود من الكلام) ، قائلا: (( فأما الإفادة المعنوية فهي تكون من جهة اللوازم، ثم تلك اللوازم كثيرة فتارة تكون قريبة، وتارة تكون بعيدة. لأجل هذا صح تأدية المعنى بطرق كثيرة ) ) [1] .

وهذه اللوازم المعنوية التي يفهم بها مقصد الكلام هي المتعلقات اللفظية المعنوية التي أشار إليها البلاغيون بالمتعلقات الثواني والثوالث في تعريفهم لعلم البيان. وقد مثل العلوي [2] لهذه الإفادة بقول في وصف الخمر:

ثقلت زجاجات أتينا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح

خفت فكادت تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح

فالشاعر أراد أن يعبر عن النشوة التي تحدثها الخمر في العقول والأجسام فتجعلها تهتز وتتمايل على غير عادتها السوية مما يجعلها تشعر بأنها حقيقة وكأنها تطير، فلم يشر بذلك صراحة، بل بما يصاحب ذلك، كالخفة والطيران، وتشبيهه اياها بالأجسام الخفيفة إذا احتوت على الروح فتدب فيها الحركة.

وأشار إليها الفارابي بـ (( الطور الثاني ) )ويسميه (( طور النسخ والتجوز في العبارة بالألفاظ ) )وفيه يكون (( التجرد بلفظ معنى ما عن التصريح بلفظ المعنى الذي يتلوه متى كان الثاني يفهم من الأول ) ) [3] . وبهذه العملية ستتولد العلاقات المجازية الجديدة بين العلامات اللغوية وما تعبر عنه والخروج عن الدلالة بالذات إلى الدلالة

(1) الطراز: ج1/ 183.

(2) الطراز: ج1/ 189.

(3) الحروف: 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت