الصفحة 201 من 384

وعلى الجملة إن الشيء يشبه بالشيء (( إذا كان متصلا به، أو سببا من أسبابه، أو مجاورا له ) ) [1] .

فمن التشبيه لونا وصورة، قول النابغة:

تجلو بقادمتيي حمامة آيكة ... بردا آسف لثاثه بالأثمد

كالأقحوان غداء غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى

إذ شبه الثغر بالأقحوان لونًا وصورة لأن ورق الأقحوان صورته كصورة الثغر سواء، وإذا كان الثغر نقيًا كان في لونه سواء [2] .

ومن التشبيه في الحكم والمعنى قول أبي الشيص الأعمى وهو محمد بن عبد الله بن رزين [3] :

وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد

كنا كساق تسعى بها قدم ... أو كذراع نيطت على عضد

والمعنى في هذين البيتين واضح بدلالته على قوى الصداقة والمحبة تشبيهًا بعلاقة الوالد بولده، وبالترابط الوثيق بين أجزاء الجسم وحاجتها إلى بعضها.

ومن ذلك كله نتبين أن فكرة التشبيه قامت على المقارنة في بعض الصفات، أو أكثرها على أن لا تصل إلى حد التطابق في التشبيه، إذ يتحول من تشبيه مقاربة ومقارنة إلى تشبيه مطابقة ينقل الشيء بكل جوانبه أي مشابهة مادية محضة. وعندئذ ينطبق المشبه على المشبه به انطباقًا كاملًا إلى الدرجة التي يمكن معها عكسهما وإنابة كل واحد منهما مناب الآخر [4] . وفي هذه الحالة لا يمكن الانتفاع من التشبيه بمبالغة، أو توكيد، ولا يدخل في مجال المجاز.

ويبدو أن الجاحظ أول من لمَّح إلى هذه الفكرة عندما ذكر (( أن التشبيه لا يلغي الحدود بين الأشياء، أو الكائنات بل يظل محافظًا على تمايزها وانفصالها ) ) [5] .

(1) الموازنة: 34.

(2) الصناعيين: 247.

(4) عيار الشعر: 11، نقد الشعر: 55.

(5) الحيوان: 1/ 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت