فقال لهم الملك: اذهبوا به .. فاحملوه في قرقور .. سفينةٍ صغيرة .. فتوسطوا به البحر .. فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه ..
فذهبوا به يسوقونه أمامهم .. فلما وصلوا إلى البحر .. ركبوا في سفينتهم .. والغلام الصغير بينهم ..
حتى إذا توسطوا به لجة البحر .. واشتدت الرياح .. وتلاطمت الأمواج ..
قالوا له: ارجع عن دينك .. وإلا قذفناك ..
فرفع الغلام بصره إلى السماء .. واستغاث بكاشف الضر والبلاء ..
الذي من لجأ إليه كفاه .. ومن فر إليه قربه وأدناه ..
قال الغلام: اللهم أكفنيهم بما شئت ..
فإذا بالدعاء .. يصل إلى الذي لا رادّ لأمره .. ولا معقب لحكمه .. ولا منازع في ملكه ..
أزِمة الأمور بيده .. والكون تحت قضائه وقدره ..
يسمع دعاء الداعين .. ويجيب دعوة المضطرين ..
فأمر الله السفينة فانكفأت فوق الماء .. وبدأ الصياح والبلاء ..
فغرق الجنود .. ونجى الغلام ..
وجاء يمشى إلى الملك ..
فلما رآه الملك .. اشتد فزعه .. واضطرب أمره .. وأخذ ينتفض ويقول:
ما فعل أصحابك؟!!
فقال: كفانيهم الله ..
فأسقط في يد الملك وأحاط به البلاء .. وعلم أنه لا طاقة له بغلام ينصر بجند الأرض السماء ..
وبقي الملك متحيرًا ..
فقال له الغلام .. إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ..
قال: وما هو؟!
قال: تجمع الناس في صعيد واحد .. أرض واحدة .. وتربطني على جذع نخلة ..
ثم خذ سهمًا من كنانتي .. من سهامي لا من سهامك .. ثم ضع السهم في كبد القوس ..
ثم قل: باسم الله رب الغلام .. ثم ارمني .. فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ..
فوافق ذلك الملك الأحمق ..
وجمع الناس في صعيد واحد .. وربط الغلام أمامهم على جذع نخلة ..
فلما رآه الناس مربوطًا عرفوه ..
فهو الذي يشفي بإذن الله أسقامهم .. ويداوي مرضاهم .. ويعين ضعفاءهم .. ويرحم جوعاهم ..
ثم التفتوا إلى الملك الطاغية ..
فإذا هو قد جمع حوله جنده .. واغتر بقوته .. وتطاول بسطوته ..
ثم أقبل الملك على سهام الغلام ..
فأخذ منها سهمًا .. ثم وضع السهم في كبد القوس .. ثم صاح قائلًا ..
باسم الله رب الغلام .. ثم رماه ..
فوقع السهم في صدغ الغلام .. بين عينه وأذنه ..
فوضع الغلام يده في صدغه .. في موضع السهم ومات ..
ففرح الملك .. وظن أنه قد انتهى من أمره .. وذهب إلى قصره وكفره ..
أما الناس .. فإنهم لما رأوا موت الغلام .. علموا أن الله وحده هم الضار النافع .. والخافض الرافع .. وأن الملك بشر من البشر .. لا يملك النفع والضر ..
فقال الناس: آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام .. آمنا برب الغلام ..