فتسابقوا إليها .. وقام هو على مرتفع يناديهم .. ويشير لهم .. فرماه عبد الله بن أبي بكر بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله ..
ودخل جيش مسيلمة الحديقة .. وكانت حديقة عظيمة .. طويلةٌ جدرانها .. محصنةٌ أطرافها ..
وأغلقوا بابها .. فجعل الصحابة يطوفون بجدرانها .. ويدفعون أبوابها ..
وقد اشتد حنقهم على الكفار ..
فأقبل البراء بن مالك .. هل رأيت البراء بن مالك .. ؟؟ لم تره!!
كان نحيل الجسم .. دقيق الساقين .. صغير اليدين .. قصير القامة .. لكنه كان بطلًا قتل مائة مشرك مبارزة وحده .. فضلًا عمن قتلهم أثناء المعارك ..
أخذ البراء يطوف بالحصن كالأسد .. يزار من حرّ ما يجد .. كيف ينجو الكفار بهذه السهولة .. ثم أخذ ينظر إلى جدار الحديقة فإذا هو رفيع ..
فأقبل إلى باب الحديقة فإذا عنده عدد من الأصحاب ..
فقال لهم: يا معشر المسلمين .. احملوني في ترس .. وألقوني عليهم في الحديقة ..
فعجبوا .. كيف نلقيك وأنت واحد وهم مائة ألف ..
فلا زال بهم .. حتى حملوه في ترس .. ورفعوها بالرماح .. حتى بلغ أعلى الجدار .. فقفز وحده داخل الحديقة ..
فلم يرُعِ الكفار .. إلا وهو بين أيديهم .. فاجتمعوا عليه .. هذا يضربه بسيف .. وذاك يطعنه بخنجر .. والثالث يضربه بعصا ..
وهو يتقي هذا بترسه .. والآخرَ بسيفه .. ويدفع الثالث بيده .. ويزحف جهة الباب ليفتح للمسلمين .. ودماؤه تسيل .. ولحمه يتساقط ..
حتى اتكأ على الباب ففتحه .. وتدافع المسلمون كالسيل إلى الحديقة .. واشتد فيها القتال .. حتى سميت بحديقة الموت ..
وهزم الله جند الكافرين .. أما البراء فقد مضى شهيدًا مع المؤمنين ..
فسبحان من أغرى المنايا بأهله * كأن لها ثأرًا .. وليس لها ثأر
ليختار من يختارُ منهم ويصطفي * له الحكمة العُليا .. له النهي والأمر
دعتهم ثغور العز من كل موطن * فطاروا سراعًا ما لهم دونها صبر
نفى عنهمُ همًّ التنعم همُّهم * فأبدانهم شعث .. وأثوابهم غُبْر
نحافًا وسمرًا كالرماح تراهمُ * وتحمد عند الطعن شُعثَ القنا السمر
مضوا يشربون الموت كأسًا شهية * ولو أن طعم الموت مستثقل مر
ولكنَّ في ذات الإله ودينه * لمن أُشْرب الإيمانَ .. يُسْتعذب الصِّبر
أبوا أن يعيشوا كالعبيد بعالم * تحَكمَ فيه الظلم .. واستحكم الكفر
ففي الأرض منأى للكريم عن الأذى * وفي الموت منأى عنه إن لزم الأمر
فما عاش من عاش الحياة بذلة * ولو طال ذاك العيش ما بقي الدهر