وهذا إبراهيم خليل الرحمن أبو الأنبياء وإمام الحنفاء عليه السلام يخاطب أباه بالرفق واللطف واللين - مع أنه كان كافرًا - إذ قال: (يا أبت) وهو يدعوه لعبادة الله وحده، وترك الشرك، ولما أعرض أبوه وهدده بالضرب والطرد، لم يزد على قوله: (سلامٌ عليك سأستغفر لك ربي ..) [مريم: 47] .
وأثنى الله على يحيى بن زكريا عليهما السلام فقال تعالى: (وبرًا بوالديه ولم يكن جبارًا عصيًا) [مريم: 14] .
إلى غير ذلك من أقوال النبيين عليهم السلام التي سجلها كتاب الله تعالى.
وهكذا كان السلف الصالح من هذه الأمة أحرص الناس على البر بوالديهم.
ومن ذلك أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه فقال: السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرًا.
أما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقد طلبت والدته في إحدى الليالي ماء، فذهب ليجيء بالماء، فلما جاء وجدها نائمة، فوقف بالماء عند رأسها حتى الصباح، فلم يوقظها خشية إزعاجها، ولم يذهب خشية أن تستيقظ فتطلب الماء فلا تجده.
وها هو ابن الحسن التميمي رحمه الله يهمُّ بقتل عقرب، فلم يدركها حتى دخلت في جحر في المنزل، فأدخل يده خلفها وسد الجحر بأصابعه، فلدغته، فقيل له: لم فعلت ذلك؟ قال: خفت أن تخرج فتجيء إلى أمي فتلدغها.
أما ابن عون المزني فقد نادته أمه يومًا فأجابها وقد علا صوته صوتها ليسمعها، فندم على ذلك وأعتق رقبتين.
ولبر السلف صور عديدة، ومواقف كثيرة يطول ذكرها، والمقصود الإشارة إلى نماذج من برهم.
ولو نظرنا في أحوالنا لوجدنا التقصير الشديد في بر آبائنا وأمهاتنا، ولربما وقع من البعض العقوق، نسأل الله العفو والسلامة.