وكان منهج بعض الرواة أن لا يحدث إلا بما يجيد حفظه، فإذا طُلب منه أن يحدث بما لا يحفظ، أو سُئل عن حديث، ذهب واستثبت من كتبه حتى لا يقع في الوهم والغلط. فمثل هذا الراوي لا يوصف بسوء الحفظ، بل إن وصفه بذلك من دون أن يُنصّ على الطريقة التي يؤدي بها الحديث، وأنه يحدث من كتابه الضابط له المتثبت فيه يخلق ريبة في النفس أنه إنما يحدث من حفظه السيء، وهذا إجحاف بحقه، وانتقاص من قدره في الرواية.
قال أبو الوليد الطيالسي: «قدمت الرّيّ بعقب موت شعبة، ومعي أبو داود الطيالسي، قال: وحملت معي أصل كتابي عن شعبة. قال: فكان جرير يجالسنا عند رجل من التجار، قال: فسمعَنا نذكر الحديث، قال: فتعجب بالحديث إعجاب رجل سمع العلم وليس له حفظ. قال: فسمعني أتحدث بحديث ... فقال: اكتبه لي، فكتبته له، وحدثته به. قال: وتحدثت بحديث ... فاستحسنه، وقال: اكتبه لي، قال: فكتبته وحدثنه به عن ليث بن سعد. قال: فقال لي: قد كتبتُ عن منصور، ومغيرة، وجعل يذكر الشيوخ، فقلت له: حدِّثنا. فقال: لست أحفظ. كتبي غائبة عني، وأنا أرجو أن أُوتَى بها ... » (1) .
وهنا رفض جرير أن يحدث بما لا يحفظه، ولم تكن معه كتبه؛ لأنه كان دائم الرجوع إليها، وعُرف ـ كما ذكرت ـ من منهجه أنه لا يحدث إلا من كتبه.
وغير ما مثّلتُ به من الرواة كثير، ممن تكلم الأئمة في حفظهم، وكانت كتبهم صحيحة، فلم يؤثر سوء حفظهم إلا فيما يروونه من صدورهم، أما إذا حدثوا من كتبهم التي كانوا يتعاهدونها، فقد قبل الأئمة النقاد حديثهم.
ــــــــــــــــــــــ
(1) ـ تهذيب الكمال (4/ 545) .