عظيمين في عليا معد هديتما ... ومن يستبح كنزا في المجد يعظم
ولكنه ذكر كفاء قسمه وبرهانه بأن هذين السيدين أعادا السلام الذي أضاعته الحرب بين عبس وذبيان أربعين سنة، واشترياه بحُرِّ أموالهما حقنًا للدماء، وهي مأثرة لا يحرزها إلا عظيم النفس نبيل المقصد حقًا.
تداركتما عبسًا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشسم
وقد قلتما إن ندرك السلم واسعًا ... بمال ومعروف من الأمر نسلم (1)
فإذا الوقائع تعطي الثناء مصداقية غير مدافعة.
ويعود بشار بالمدح، بعد تلك الصورة الإثباتية للعطاء، إلى المثل العليا التي لا تزال ثرينة الشجاعة والكرم:
-اكتسابُ حسن الذكر والتباعد عن الذم (البيت 49) ولعل الشاعر يُلوِّح لممدوحه، من وراء هذا البيت، بالقيمة الحيوية لشعره فيه لينفرّه من الوجه المضاد للمدح ألا هو الذم. فإن صح هذا الاستشفاف للمرمى البعيد كان الشاعر يقف من وراء معناه وقفة البائع المُدِلّ ببضاعته أو الكميّ الواثق بسلاحه.
-علو كعب الممدوح في الخطابة وضراوته في الحرب (البيت 50) والخطابة صفة ووسيلة قيادية، والبيت مؤشر على حرص ذوي القيادات على أن يذكروا بهذه الفضيلة البيانية - في القرن الثاني الهجري - وبأنهم يجمعون بين حدّة السنان وبلاغة اللسان.
-نشر العوائد على الشاعر والمسارعة له ولكبار الرجال بالعون (البيت 51) .
-وفي البيت"52"يعود إلى الجمع ما بين الشجاعة والكرم في بيت واحد نظير ما صنع في كل من الأبيات الثلاثة"36 - 38".
-ومن البيت"52"ينسل البيت"53"صورة ميدانية للشجاعة إحدى السجيتن، فالخلال الفطرية الممتازة في الممدوح يوظفها صاحبها في الحفاظ على الدولة، في الوفاء بالمسؤوليات الكبرى. وتكتسب الشجاعة في هذه الصورة مضمونًا فخما ضخمًا يوازي عظمة المسؤولية.
(1) جمهرة أشعار العرب: 161- 162.