إلى أسماعها وإلى قلوبها. فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولا إكراه في الدين. ولكن ينبغي قبل ذلك أنْ تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافَّة؛ كما جاء من عند الله للناس كافَّة. وأنْ تزول الحواجز التي تمنع النَّاس أنْ يسمعوا وأنْ يقتنعوا وأنْ ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا. ومن هذه الحواجز أنْ تكون هناك نُظُم طاغية في الأرض تصدُّ النَّاس عن الاستماع إلى الهدى وتفتن المهتدين أيضًا. فجاهد الإسلام ليحطِّم هذه النُّظُم الطَّاغية؛ وليقيم مكانها نظامًا عادلًا يكفل حرِّية الدَّعوة إلى الحقِّ في كلِّ مكان وحرِّية الدُّعاة.
ثالثًا: جاهد الإسلام ليقيم في الأرض نظامه الخاص ويقرِّره ويحميه، وهو وحده النِّظام الذي يحقِّق حرِّية الإنسان تجاه أخيه الإنسان؛ حينما يقرر أنَّ هناك عبودية واحدة لله الكبير المتعال، ويلغي من الأرض عبوديَّة البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها. فليس هنالك فرد ولا طبقة ولا أمة تشرع الأحكام للناس، وتستذلهم عن طريق التشريع. إنَّما هنالك ربٌّ واحد للناس جميعًا هو الذي يشرع لهم على السَّواء، وإليه وحده يتَّجهون بالطَّاعة والخضوع، كما يتَّجهون إليه وحده بالإيمان والعبادة سواء.
لم يحمل الإسلام السَّيف إذن ليكره النَّاس على اعتناقه عقيدة؛ ولم ينتشر السيف على هذا المعنى كما يريد بعض أعدائه أن يتهموه! إنَّما جاهد ليقيم نظامًا آمنًا يأمن في ظلِّه أصحاب العقائد جميعًا، ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته [1] .
(1) ـ في ظلال القرآن 1: 273 باختصار وتصرف.