فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 11

إنْ جاءَه فرحٌ أو نابه ترحٌ في الحالتين يقولُ: الحمدُ للهِ

فإن أردتَ السَّعادة والسُّرور، والفرح والفلاح والحبور، والرَّوْح والنعيم الذي ليس فوقه نعيم، فعليك بالإيمان بالله حقًا، والرِّضا والتسليم لأمره وحكمه وتدبيره، الإيمان الذي وَصَفَ نعيمَهُ مَنْ يتحلى به فقال: «لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف» ، وقال آخر: مساكين أهل الدُّنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: «محبة الله ومعرفته وذكره» ، وقال آخر: «إنَّه لتمرُّ بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا» ، وقال آخر: «إنَّه لتمرُّ بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيِّب» . وهو النعيم الذي يشبه نعيم أهل الجنة، قال بعض العلماء: ليس في الدُّنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة.

قال الإمام ابن القيم: والله تعالى إنَّما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحًا، كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} . فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدُّنيا بالحياة الطيبة، والحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين، فهم أحياء في الدارين، ونظير هذا قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنيا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} ، ونظيرها قوله تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} ، ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدُّنيا والآخرة وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين، فإن طيب النفس وسرور القلب، وفرحه ولذته، وابتهاجه وطمأنينته، وانشراحه ونوره، وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة، والشبهات الباطلة، هو النعيم على الحقيقة، ولا نسبة لنعيم البدن إليه.

ولا تظنَّ أنَّ قوله تعالى: {إِنَّ الأَبرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} مختصٌّ بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دُورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دُورهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدُّنيا أطيب من برِّ القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الربِّ تبارك وتعالى ومحبَّته، والعمل على موافقته؟ وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟ [1] .

فهذه هي السَّعادة الحقيقة التي كلَّما ازداد المؤمن منها ازدادَتْ سعادتُه، وكلَّما ابتعد عنها نقصتْ سعادتُه بقدر ابتعاده عنها. فمَنْ شعر بضيق أو همٍّ أو غَمٍّ فليتعهد إيمانه ويراجع يقينه بالله حتى يذهب عنه ما يجد.

ومن مظاهر الحياة الطيبة التي خصَّ الله بها عباده المؤمنين في الدُّنيا:

1 -ولاية الله عز وجل، فقد قال تعالى: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

2 -ومحبة الله عز وجل للمؤمنين ومحبة الخلق لهم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} .

(1) ـ باختصار من الجواب الكافي: 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت