فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 11

إنه قصور النظر، وقلة المعرفة بحكمة الله من خلقه وتدبيره لشؤونهم، وعدم الرضا عن الله، والشُّكر له.

ويوشك مَنْ هذا حالُه أنْ تزولَ عنه النِّعَم، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} وقال: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} قال الشيخ ابن عطاء الله: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النعمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِها، وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِها» وقَالَ صَاحِبُ «الكَلِمِ الفَارِقية» [1] : «لا تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ الصَّنَائِعِ؛ وَسُرْعَةِ استرجاع الوَدَائِعِ» ، وَقَالَ أيْضًا: «يَا مَيِّتًا نُشِرَ مِنْ قَبْرِ العَدَم، بحُكْمِ الجُودِ والكَرَم، لاَ تَنْسَ سَوَالِفَ العُهُودِ والذِّمَم، اذكُرْ عَهْدَ الإيجَادِ، وَذِمَّةَ الإحْسَانِ والإرْفَادِ، وَحَالَ الإصْدَارِ والإيرَادِ، وفاتحة المَبْدَأ وَخَاتِمَةَ المَعَادِ» ، وقال رحمه الله: «يَا دَائِمَ الغَفْلَةِ عَنْ عَظَمَةِ رَبِّه، أيْن النَّظَرُ فِي عَجَائِبِ صُنْعِه، والتَّفَكُّرُ فِي غَرَائِبِ حِكْمَتِهِ، أيْنَ شُكْرُ مَا أَفَاضَ عَلَيْكَ مِنْ مَلاَبِسِ إحْسَانِه ونِعَمِهِ، يَا ذَا الفِطْنَةِ، اغْتَنِمْ نِعْمَةَ المُهْلَة، وَفُرْصَةَ المُكْنَةِ، وَخِلْسَةَ السَّلاَمَةِ، قَبْلَ حُلُولِ الحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ» [2] .

وقال الحكماء: «الشُّكرُ قَيْدُ الموجود، وصَيْدُ المفقود» . وقبل هذا وذاك رضا الواحد المعبود.

وقال الإمام الغزالي: الشُّكرُ قَيْدُ النِّعَم به تدوم وتبقى، وبتركه تزول وتتحول، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} ، وقال: {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} .

نظر الفضيل إلى رجل يشكو إلى رجل، فقال: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك [3] .

وإذا اعْتَرَتْكَ بليةٌ فاصبرْ لها ... صبرَ الكريمِ فإنَّه بكَ أعلمُ

وإذا شكوتَ إلى ابن آدمَ إنَّما ... تشكو الرَّحيمَ إلى الذي لا يرحمُ

ولو نظر هذا الشاكي إلى حاله لوجد نفسَهُ غارقًا في نِعَمٍ عظيمة، لا يستطيع شكرها لو بقي طوال حياته ساجدًا شكرًا لله تعالى، فلماذا ينسى هذه النِّعَم التي لا تُعَدُّ ولا تحصى ويذكر بعض المصائب التي لا تُذكر بجانب ما أكرمه الله من فضله.

وإنَّ أعظمَ نعمة هي نعمة الإسلام، والله بفضله ورحمته جعلَكَ مِنَ المسلمين، و «كفى من جزائه إيَّاك على الطاعة أنْ رضيك لها أهلًا» ، و «كفى العاملينَ جزاءً ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته، وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته» [4] ، فيا مَنْ يشكو هل تريد أنْ يكون عندك كلُّ ما تريد مِنَ الدُّنيا وأنت على غير دين الإسلام؟ إنَّ الإسلام هو الذي يجعلك خالدًا في جنة فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا

(1) ـ «الكَلِمِ الفَارِقية في الحِكَم الحقيقية» تأليف الشيخ أبي المعالي سعد بن عليّ بن قاسم الحظيري الوراق. كما في فهرست مخطوطات خزانة الروضة الحيدرية للسيد أحمد الحسيني. وقد جمع المؤلف في كتابه هذا: كلمات الشيخ محمّد بن عبدالملك الفارقي.

(2) ـ تفسير الثعالبي.

(3) ـ رواه البيهقي في شعب الإيمان (9602) .

(4) ـ من الحِكَم العطائية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت