وَالنُّصْرَةَ وَالْإِعَانَةَ إِلَّا مِنْ رَبِّهِمْ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 147] فَكَانَ مَقَامُ هَؤُلَاءِ فِي الْعُبُودِيَّةِ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ، فَلَا جَرَمَ أُولَئِكَ فَازُوا بِبَعْضِ الثَّوَابِ، وَهَؤُلَاءِ فَازُوا بِالْكُلِّ، وَأَيْضًا أُولَئِكَ أَرَادُوا الثَّوَابَ، وَهَؤُلَاءِ مَا أَرَادُوا الثَّوَابَ. وَإِنَّمَا أَرَادُوا خِدْمَةَ مَوْلَاهُمْ فَلَا جَرَمَ أُولَئِكَ حُرِمُوا وَهَؤُلَاءِ أُعْطُوا، لِيُعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى خِدْمَةِ اللَّهِ أَقْبَلَ عَلَى خِدْمَتِهِ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ.
ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وَفِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ هَؤُلَاءِ اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِمْ مُسِيئِينَ حَيْثُ قَالُوا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) فَلَمَّا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُحْسِنِينَ، كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَهُمْ:
إِذَا اعْتَرَفْتَ بِإِسَاءَتِكَ وَعَجْزِكَ فَأَنَا أَصِفُكَ بِالْإِحْسَانِ وَأَجْعَلُكَ حَبِيبًا لِنَفْسِي، حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى حَضْرَةِ اللَّهِ إِلَّا بِإِظْهَارِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْعَجْزِ. وَأَيْضًا: إِنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا الْإِقْدَامَ عَلَى الْجِهَادِ طَلَبُوا تَثْبِيتَ أَقْدَامِهِمْ فِي دِينِهِ وَنُصْرَتَهُمْ عَلَى الْعَدُوِّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَمَّاهُمْ بِالْمُحْسِنِينَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ الْحَسَنِ، إِلَّا إِذَا أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْحَسَنَ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرَّحْمَنِ: 60] وَقَالَ: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يُونُسَ: 26] وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يُعْطِي الْفِعْلَ الْحَسَنَ لِلْعَبْدِ، ثُمَّ إِنَّهُ يُثِيبُهُ عَلَيْهِ لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ وَبِإِعَانَةِ اللَّهِ" [1] ."
4)وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
يقول الحق تبارك و تعالى في محكم آياته
بسم الله الرحمن الرحيم
(1) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب» سورة آل عمران» قوله تعالى فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين