فإنما يبدو لقلبه من شعاع ذلك الشمس بمقدار ما كان يبدو من القمر في مبتدأ أمره، فلا يزال يسير حافظًا للأمانة في العطايا، حتى تزول عنه الخيانة، ويتبرأ من النفس، وينساها، فإذا وصل إلى هذه الحظة، وافتقد مشيئته لمشيئة مولاه، ونسي أحوال نفسه لما طالع من العظائم، واشتغل بالمرعى، أشرقت شمسه بتمامها بجميع شعاعها، ولذلك قوله لداود عليه السلام: (( يمشي تمامًا، ويقول صوابًا ) )، وقوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا على الذي أحسن} .
فالحافظ لهذه الأمانة بحقها وصدقها في أمان الله يوم المقدم على الله عند معالجة سكرات الموت، وفي البرزخ عند فتاني القبر، ويوم المنشر، وفي ساعات المحشر، وهناك في الموقف عند الجواز على الصراط، وعند الوزن، وعند قراءة الصحيفة، وعند العرض الأكبر، حتى يوافي دار الأمن والأمان، فاتصلت أمانة هذا العبد من هاهنا بدار الأمان، وهذا هو المؤمن المستكمل لوفارة الإيمان وبهائه.
ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وددت أني شعرة في صدر مؤمن.
وروي في الخبر: أن الله تعالى إذا أثنى على عبد، فأبلغ في الثناء، سماه مؤمنًا، وقال إبراهيم حين أثنى عليه: {إنه من عبادنا المؤمنين} .