هكذا؛ لأنه أعطاه من النور ما عرفه ربًا واحدًا لا شريك له، ثم جاءت الشهوات، فأحاطت بقلبه، فلم تتركه على سبيل أهل الوفاء، حتى يكون له عبدًا بجميع جوارحه، في جميع منقلبه، كما عرفه ربًّا، فيكون واقفًا عند أمره ونهيه، مراقبًا لحدوده، فهذه هداية العامة، فلن تنال بهذا تلك الصفة التي ذكرت في التوراة والإنجيل والفرقان؛ لأن النفس بما فيها من الهوى غلبت على القلب، فلا تتركه على سبيل الاستقامة، حتى تميل به يمينًا وشمالًا.
وأما هداية العصمة والولاية بأن يقذف الله في قلب العبد نورًا وهو اليقين، حتى يهتك حجب الشهوات التي تراكمت في صدره على قلبه، فيمتلئ قلبه نورًا، ويشرق صدره، فتصير الآخرة له كالمعاينة.
كما قال حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وإلى أهل الجنة كيف يتزاورون، وإلى أهل النار كيف يتعاوون فيها، فعزفت نفسي عن الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عرفت فالزم، عبدٌ نور الله الإيمان في قلبه ) ).