فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 49

وهذا الأثر بقي في مدرسته التي كانت جامعة عظيمة تخَّرج منها خيار الأمة، وكل ذلك من غرس يده -رضي الله تعالى عنه- في الكوفة , ثم بعد ذلك انتشر علمها في أقطار الدنيا.

ومن الملاحظ في سير العلماء التي لو تتبعناها -وجدير بنا أن نتتبعها دائمًا- لوجدنا أن من كان من العلماء أو من العباد الصالحين والزهاد في أول أمره مقارفًا للذنوب والمعاصي, ثم اهتدى فيما بعد, نجد جانب الخوف عنده أكثر, وقد تأملت بعض السير فوجدت هذا, وأظن أن السر والسبب في ذلك لا يخفى؛ لأن الذي نشأ من أصله في تقوى الله وفي طاعة الله لا يحس ولا يستشعر خطر الذنوب والمعاصي كالذي واقعها وقارفها ثم عرف خطرها.

ففي كل حين يأتيه وازع الإيمان في قلبه، ويقول له: كيف لو مت وأنت على تلك الذنوب؟!

كيف لو كانت خاتمتك وأنت تفعل تلك المعاصي والفواحش والموبقات والكبائر؟!

فلذلك نجد أن هؤلاء أشد خوفًا وخشية على أنفسهم من الذنوب والمعاصي من غيرهم ممن لم يكونوا كذلك.

وبرزت في بعض الشخصيات سمات الخوف أكثر مما لدى غيرهم ممن برزت عنده سمات الرجاء.

هرم بن حيان

ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي -رحمه الله- في صفوة الصفوة وهو تهذيبٌ لحلية الأولياء .

يقول: ''خرج هرم بن حيان وعبد الله بن عامر يؤمان الحجاز فجعلت أعناق رواحلهما تتخالجان الشجر فقال هرم لابن عامر:[[أتحب أنك شجرة من هذه الشجر؟

فقال ابن عامر: لا والله؛ إنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من ذلك، فقال له هرم: لكني والله لوددت أني شجرة من هذا الشجر أكلتني هذه الراحلة ثم قذفتني بعرًا، ولم أكابد الحساب يوم القيامة ]] '' أي: أنهما خرجا وكانا في العابدين الزاهدين يضرب بهم المثل في ذلك، فخرجا يريدان الحجاز فأخذت رواحلهما ترعى وتأخذ من الشجر, ولكن المؤمنين دائمًا يعتبرون من كل قضية ومن كل حدث يرونه أمامهم، فقال أحدهما للآخر: لو أنك مجرد نبات تأكله الدابة وينتهي شجرة تعضد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت