كان بعضهم يقال له وهو في بغداد: إن جارية بخراسان تغني فيطرب لها كذا وكذا, فيقول: اشتروها لي, فيقولون: إنها بمائة ألف دينار؛ فيقول: ادفعوا مائة ألف دينار وأتوني بها! أية لذة يسمعون عنها يأخذونها ويشترونها, فإن تعاسرت على المال, وحيل بينهم وبينها بالمال, جردوا السيوف لينالوها؛ سواء كانت لذة ملك أو شهوة أو أيًّا ما كان الأمر, يجالدون بالسيوف لينالوها, لكنهم مساكين!! لو يعلم من لم يكن عمله في طاعة الله, وجهاده ومجالدته في طاعة الله ما عند من يجتمعون على كتاب الله ومن يقرءون سيرة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن يقرءون حديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكلام هؤلاء الأئمة وحياتهم، لو يعلمون ما يجده هؤلاء في بيت من بيوت الله أو في بيت من بيوت أحدهم لجالدوا عليه بالسيوف، لكن لا يعلمون؛ لأن اللذات عندهم محصورة في الشهوات فقط, ولذلك لا يمكن أن يتطلعوا أو يفكروا فيما وراءها, ولو علموا أن اللذة الحقيقية هي لذة النجوى والأنس بالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى والفرح بما عند الله عز وجل وما أنعم الله به على الإنسان من الإيمان والتقوى -لو علموا ذلك- لسابقوا إليه، لكنهم لأنهم لم يعلموا ذلك فلم يسابقوا ولم يزاحموا عليه.
المعصية سبب للهوان على الله
يقول أبو سلمان الداراني حكمةً عظيمةً من حكمه, وما أكثر حكمه وحكم أمثاله! يقول: ''إنما عصى الله -عز وجل- من عصاه لهوانهم عليه, ولو كَرُمُوا عليه لَحَجَزَهُمْ عن معاصيه'' .