هذا ينشأ في طاعة الله وفي تقوى الله, وأنا قد غلبتني الذنوب والمعاصي والغفلة والتقصير, فلا يبلغ مثل ما أبلغ أنا من العمر الآن إلا قد نال الدرجات العلى, وقد جمع من الكنوز ومن الغنائم ومن الأجر ما ياليتني أنا قد جمعته... وهكذا دائمًا.. والناس إما أكبر منك أو أصغر منك, فتوقع هذا وتوقع هذا؛ حتى يُؤدب الإنسان نفسه ويعلمها أن تحقر ما تعمل وإن كان من الطاعات.
قال: ''وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به'' ولعل مقصوده -رحمه الله- أن هذا فضل منهم أو هذا فضل من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنَّ عَليَّ بِه وأخذوا به ولا استحقه.
أي: إذا رأيت إخوانك يحبونك ويعظمونك ويقدرونك, فلا يغرنك الشيطان, فتقول: الآن عرفوا قدري, وعرفوا منزلتي وعلمي وعبادتي واجتهادي! لا والله, فهذا من الغرور!! نسأل الله العفو والعافية.
لكن قل: هذا فضل أخذوا به, قُل: غرهم مني أنهم رأوني أقول: كذا وكذا وما علموا ما أغلق عليه بابي, كما كان عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- يقول: [[لو أنكم تدرون ما أغلق عليه بابي ما فعلتم كذا ] ].
والله إننا نعلم أنه رضي الله تعالى عنه لا يغلق بابه إلا على خير وعلى تقوى وعلى قراءة قرآن وعلى عبادة, لكن قال ذلك زاجرًا لهم لما تجمعوا ليسيروا خلفه, وقال لهم: ''إنها ذلة للتابع فتنة للمتبوع'' .
وأيضًا من مأثور كلامه رحمه الله يقول: ''لو أن للذنوب رائحة ما جالسني منكم أحد'' .
سبحان الله! هؤلاء الناس هم أطهر الخلق بعد الأنبياء وأفضلهم بعد الرسل, يقول: ''لو أن للذنوب رائحة ما جالسني منكم أحد'' رائحتها تنتشر ومن هذا المعنى أخذ الشاعر أبو العتاهية فقال:
أحسنَ الله بنا أنَّ الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منها بين ثوبيه فضوح
نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح
لتموتن ولو عُمِّـ ـرت ما عُمِّر نوح
هكذا كانوا يشعرون! فليتأمل كل منا هذا المعنى, لو أن للذنوب رائحة...!