تلك الحياة الجاهلية بكل صورها وفي جميع أماكنها وبقاعها، قد صورها المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث العظيم الذي رواه عنه عياض بن حمار المجاشعي حيث قال:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: (( ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني، يومي هذا. كل مال نحلته عبدًا، حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم. وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب... ) )."
فالحديث يشير إلى انحراف الناس عن الشريعة ونبذها وراءهم ظهريًا، واختراع أنظمة وقوانين من عند أنفسهم، فحرموا الحلال وأحلوا الحرام (( كل مال نحلته عبدًا، حلال.. وحرمت عليهم ما أحللت لهم ) )وهذا رد على ما شرعوه من السوائب والوصيلة والحام والبحيرة، مما يدعونه لآلهتهم، وقد شرع الله أن كل مال رزقه عبدًا من عباده فهو حلال له.
كما يوضح الانحراف عن التوحيد والردة الكاملة عن الدين، أنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم.. وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، كما يشير إلى الفساد العظيم الذي غطى وجه الأرض مما استحق الناس مقت الله لهم جميعًا إلا بقايا من أهل الكتاب.
وأصبحت البشرية بحاجة ماسة إلى منقذ لها من الضلالة إلى الهدى ومن ظلمة الشرك إلى نور التوحيد والإيمان، ومن الشقاء إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
الاصطفاء
في هذا الجو القاتم والزمان المدلهم بالشرك بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم.
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم
إلا على صنم قد هام في صنم
مسيطر الفرس يبغي في رعيته
وقيصر الروم من كبر أصم عمي
وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ) ).