الصفحة 16 من 28

فقد يظن أيضا قصير النظر أنه كان يمكن الاكتفاء في تصوير حالتهم بوصفهم بالحمر، ولكن المراد غير ذلك، فالمشركون لا يريدون إعمال عقولهم في خلق السماوات والأرض ليهتدوا إلى الخالق، وهم - في الوقت نفسه - لا يستجيبون إلى الداعي، بل كلما عرض عليهم من دعوته ابتعدوا عنه مسرعين، وكأن في أعماقهم شيئا يحثهم على الهرب منه والابتعاد الخاطف من طريق دعوته.

هذه الحالة لا تكفي لها حالة الحمر، وإنما تقتضي كون هذه الحمر مستنفرة مدفوعة- من نفسها أو من غيرها- إلى العدو الجبان، ثم تزداد الصورة وضوحًا، وتمكنا من النفس عندما يلحق بها جزئية الفرار من أسد هصور يطلبها طعاما لأنيابه ومخالبه، فنجدها تتفرق في كل مكان هائمة على وجهها، والخوف الشديد يملأ صدورها.. فهذا أبلغ تصوير لإعراض الكافرين عن الدعوة، وهو في الوقت نفسه بعث للنفس العاقلة على السخرية منهم (1) .

2-انتقاء ألفاظ التمثيل في القرآن، واختيارها اختيارًا مناسبًا للمعنى، معطيًا كل ما يتطلبه المقام ومن هنا كان التمثيل في القرآن موحيًا مشعًا لا يكاد ينقر حبات القلوب حتى يؤثر فيها بطريقة فنية ونفسية عجيبة.

أنظر إلى القرآن العظيم حينما يستخدم أسلوب التمثيل في تصوير فناء هذا العالم، ودمار تلك الحياة التي يظن أصحابها أنها باقية خالدة لا شيء بعدها.

{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأََمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (2) .

(1) أنظر هامش ص 200 من بلاغه قران للدكتور أحمد بدوي طبعة القاهرة سنة 1950 م.

(2) يونس آيه 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت