قد تكون لحركة ابن باديس ظروفها الموضوعية وتقديراتها الخاصة لما جرى في تركيا ، وقد تكون للشيخ مآخذه على منهج خلفاء آل عثمان ، ولكن ذلك لا يعني بحال أن يكون الطاغية ( أتاتورك ) محلًا لهذا الاحتفاء والمدح ردًا على ما يُرى في العثمانيين من مثالب وقدح . - وفي مصر التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي في ذلك الوقت ، نشأ اختلاف حاد تجاه ما أحدثه أتاتورك ، بلغت حدته أن عده بعضهم مرتدًا ، واعتبره آخرون مجددًا ، وبلغ اللغط قمته عندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه الصاعق ( الإسلام وأصول الحكم ) فصاغ فيه أفكار الليبرالية العلمانية بلغة أزهرية ، تلبيسًا منه وتدليسًا ، وكان عبد الرازق قد تلقى قسطًا من تعليمه في جامعة أكسفورد ، وأسبغ عليه منصبه في القضاء وزنًا أدبيًا جعل مؤلفه فتنة في وقته ؛ حيث زعم فيه أن الإسلام دين وعبادة فقط ، ولا دخل له بالحكم ولا السياسة ، وبناء عليه فلا أساس لمشروعية منصب الخلافة ، ولا صحة لوجود شيء اسمه الحكم الإسلامي حتى في عهد الرسالة ؛ حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم كما زعم عبد الرازق مجرد مبلِّغ للدين والرسالة ، وقد عرض كتابه على ( طه حسين ) داعية التغريب الملقب بـ ( عميد الأدب العربي ) فأضاف طه إضافات على كتاب عبد الرازق زادته ظلمات فوق ظلمات . - في خضم هذا اللغط المخلط للمفاهيم ، كان الشيخ مصطفى صبري ( 1869 - 1954م ) آخر شيوخ الإسلام المفتين في الدولة العثمانية قد أصدر كتابًا بعنوان: ( الرد على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة ) فكان صوتًا صادقًا صادعًا بالحق في وجه تغول الفكر العلماني وهجمته الانتهازية على أصول الإسلام من خلال تآمرهم على صرحه الباقي وحصنه الأخير .