الصفحة 5 من 11

لماذا؟ لأنَّ الله بعث الله محمدًا رضي الله عنه رحمةً وهدى، فلقد وَسِعَ خلقه الناس سهولةً ورفقًا، ونضحتْ يداه بالعطايا كرمًا وجودًا، أبرّهم قلبًا، وأصدقهم لهجةً، وأقربهم رحمًا.

وإنَّ من أخصّ خصائصه وأكرم سجاياه؛ أنْ لازمته تلك الفضائل الزاكية، والأخلاق العالية في أشدّ الأوقات وأحلك الظروف، شُجّ رأسه، وكُسرت رباعيته في غزوة أحد، فقيل له في هذا الحال العصيب: ألا تدعو على المشركين؟ فما هو إلا أن تدفّق رفقه، وطغت رحمته، وفاضت طبيعته العالية وسجيته الكريمة بما يلتمس فيه العذر لهؤلاء، فكان مما قال: » اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون « .

وقال في مقام آخر: » إنّما بُعثت رحمةً ولم أبعث لعّانًا « وصدق الله العظيم: { وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين } .

النبي صلى الله عليه وسلّم وسلامة الصَّدر:

يكفى أنْ نذكر مثالين على ذلك:

1 -ثبت في » الصحيحين« من حديث أنس بن مالك قال:

(كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ، فجبذه بردائه جبذةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد أثّرت بها حاشية البرد من شدة جبْدته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك!! فالتفتَ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ثم ضحك، ثم أَمَرَ له بعطاء) .

إنها القلوب الكبيرة قلّما تستجيشها دوافع القسوة عن التعقّل والحِلم، إنها إلى العفو والصفح أقرب منها إلى الانتقام والبطش.

2 -أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:

» بال أعرابي في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم: دعوه لا تزرموه، وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء - أي دلوًا من ماء - فإنّما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، وسكنوا ولا تنفروا « .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت